الشهيد (كبيرة)

Please enter banners and links.

قدمة الكتاب:

لأجل بقائنا استشهدوا،وللوطن قدموا الغالي والنفيس، ومن أجل عزة وكرامة ومنعة السودان رووا ثراه بدمائهم الطاهرة،ويمموه بعبق أجسادهم الزكية.. نعم، إنهم شهداء غرب كردفان والوطن،الذين تعجز الكلمات،وتحتار في وصف بطولاتهم التي تصنع مع بطولات أبناء السودان كافة مستقبل بلدنا،وتدحر العملاء،وتطهر أرض الوطن،لم يبخلوا بالعطاء فأكرمهم الله بأقدس شيء في الوجود ألا وهو الشهادة التي يحلم أن ينالها كل مخلص غيور على وطنه،وقد تمناها الشهيد(كبيرة) ونالها.. وكلنا شهداء لاجل الوطن الأم،الذي يجمع أبناءه في الويلات والأزمات وكذلك في الأفراح والأتراح، فلنفتخر أننا سودانيون فنحن مصممون على متابعة المسير،وارضنا عصية على المارقين وستبقى،وجيشنا سيبقى حصناً منيعاً في وجه كل معتد آثم عابث بترابها الطاهر،ومهـما حرقوا،ونكلــوا،وأجرموا،وفعلوا،فلن يزيدنا جبنهم إلا إصراراً وتصميماً على متابعة المسير والمضي خلف جيشنا الباسل المغوار،ولن تثني يد الغدر والإجرام رجال جيشنا عن مواصلة الكفاح والنضال في ساحات المعركة ليعود لكل شبر من أرض الوطن عزته وطهره،فنحن وأبناؤنا في طريق بواسلنا سائرون لنكتب نصراً وإنجازاً نفتخر به على مر الزمان،لان كل فرد فينا هو الشهيد (كبيرة)،وكل شهادة هي مصدر عز وفخر لجميع أبناء كردفان،ووسام على صدورنا أجمعين،فقد استشهدوا لنحيا، وضحوا لنبقى، فهم فخر الوطن فلهم كل العزة والتقدير والإجلال والاحترام.

لن تسعفني الكلمات ولا الجمل في وصف ما قام به الشهداء،ومهما كتبت من كلمات لن توفي حق هؤلاء الكرام،وعزائنا ومواساتنا أننا نحسبهم عند الله شهداء وأنهم ارتقوا الى بارئهم احياء يرزقون،فقد دفعوا دمائهم ثمنا في نصرة ورفع راية الحق،وهؤلاء هم جنود الوطن الذين ضحوا بارواحهم الطاهرة في سبيل الله والوطن،لقد ضرب(كبيرة)ورفاقه من ارض الشهداء غرب كردفان،المثل في الفداء والتضحية والشهادة في سبيل الوطن،هذه الروح التي تذكرنا بايات الشهادة في القران الكريم،هذا هو جيل ابناء السودان،السودان الذي غرس القيم الاخلاقية والدينية والوطنية والمحبة الغامرة في قلوب ابنائه،وحتي الشيوخ وفي ابناء شعبه كلهم على قلب رجل واحد يحزنون لفراق شهدائهم ويفرحون بما لقوا من اجر وثواب،هذه الشهادة التي حفرت اسماءهم في التاريخ بحروف من ذهب،فصار لهم يوم باسم يوم الشهيد من كل عام تخليداً ووفاءً وعرفاناً بتضحيات وعطاء وبذل شهداء الوطن أبنائه البررة،الذين وهبوا أرواحهم لتظل راية البلد خفاقة عالية،وهم يؤدون مهامهم وواجباتهم الوطنية في الميادين المدنية والعسكرية والإنسانية كافة،واليوم نتحدث في هذا الطئ عن (كبيرة) ورفاقه استذكارا وافتخارا بقيم التفاني والإخلاص والولاء والانتماء المتجذرة التي تحلوا بها،وهم يجودون بأرواحهم في ساحات البطولة والعطاء وميادين الواجب،هي نماذج كبيرة وشواهد عظيمة تملأ اذاننا كل يوم وكل ساعة من ام واب واخ واخت وكبير وصغير وسائر الفئات من مواطنين ومقيمين على هذه الارض الطيبة يرغبون في سداد الدين ورد الجميل لهذا البلد المعطاء ومستعدون لتلبية نداء الوطن والواجب متى ما دعى الداعي،ولا توجد لحظة حزن تعادل لحظة الكتابة عن شهيد استشهد في سبيل الوطن والدفاع عنه وعن مكتسباته وتنفيذ رسالته النبيلة في نشر السلام. والأمن.نعم شعرت بالحزن وأنا اكتب هذه الكلمات عن شهداء الوطن ولكنه حزن مشبع بالغبطة والاعتزاز بهم كونهم شهداء..والشهيد كما هو معروف من (الشهود) أي الحضور والمشاهدة، وبمعنى آخر ان الملائكة تشهده حين يستشهد إكراما له وتكون الشهادة ايضا جاءت من الاسلام ومنذ بدايته وانتشاره عبر الشهادة.وما قدمه رجاله الاوائل من تضحيات وشهادة في سبيل انتشاره ودفاعا عنه.ولا شك ان في الإسلام شهداء عظاما جميعنا نعرفهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم،ومع مرور الايام والسنوات والعقود شهدت هذه الارض الطيبة،ارض الرسالة،استشهاد مئات الآلاف من الشهداء في سبيل اعلاء كلمة الحق ونشر قيمه،واستمر الإسلام يقدم الشهداء جيلا بعد جيل.ومع تطور العصر وتنامي الدول وانتشارحروب الاستعمار،والمقاومة في العديد من الدول استشهد الملايين من الشهداء،فهذه سنة الحياة لا بد من وقوع شهداء خلال الحروب والمواجهات وحتى عندما يحدث عدوان هنا او هناك. وكل وطن يفخر بشهدائه حتى في العالم الغربي البعيد عن الإسلام نجد أن شهداء حروبهم أو ضحايا المواجهات مع الخارجين عن القانون يحظون باهتمام كبير، فتقام لهم المجسمات والمنحوتات تقديرا لدورهم في التضحية بأرواحهم في سبيل واجبهم الوطني وبلادنا احتفت بشهداء الوطن. فهي تقدم عادة رعايتها لذوي الشهداء الذين قدموا أرواحهم لأمن هذا الوطن العزيز،ويحظى أبناؤهم برعاية وعناية خاصة من قبل الدولة،كل هذا وذاك عزز من تقدير الوطن وقيادته لكافة الشهداء.إننا في أنفسنا لا نملك شيئا فأرواحنا أمانات قد وهبنا إياها الله، ويوما ما سوف ترجع إليه والسعادة والبشرى الكبيرة،حيث السعادة الابدية التي سوف يحصل عليها كل شهيد بمشيئة الله من الذين ضحوا من أجل وطنهم ومواطنيهم،الذين يفخرون بهم، كل الفخر ويقدرونهم جل تقدير.

فإلى كلّ قطرة دمٍ سقت نخيل الوطن فارتفع شامخاً وإلى كلّ روح شهيد كسّرت قيود الطواغيت،وإلى كل أم ما زالت على الباب تنتظر يقين النبأ،أهدي سلاماً طأطأت حروفُه رؤوسَها خجِلة،وتحيةً تملؤها المحبة والافتخار بكل شهيد قدّم روحه ليحيا الوطن،ويقوم الوطن لينحني إجلالاً لأرواح أبطاله،وتغيب الشمس خجلاً من تلك الشموس المضيئة،إن الشهيد لا يوصف إلا بـ(الشهيد) فليس هناك كلمة يمكن لها أن تصفه،ولكن قد تتجرّأ بعض الكلمات لتحاول وصفه،هو:شمعة تحترق ليحيا الآخرون،وهو إنسان يجعل من عظامه جسراً ليعبر الآخرون إلى الحرية وهو الشمس التي تشرق إن حلّ الظلام،وهو نجمة الليل التي ترشد من تاه عن الطريق،وتبقى الكلمات تحاول أن تصفه ولكن هيهات،فهذا هو الشهيد وما أدراك ما الشهيد،إذاً الشهيد هو رمز الإيثار،إن على كلّ واحد منّا قد أُنعِمَ عليه فكان ممن عايش الشهداء أن يتحدث عنهم؛عن أخلاقهم وصفاتهم الرائعة وكلماتهم النيّرة فهذه أمانة في أعناقنا علينا أن نؤديها،فإذا كنا نحن من أُنعِمَ علينا بمعايشتهم لا نتحدث عنهم فمن الذي سينقل كلماتهم الطيبة وسماتهم الصالحة إلى الآخرين الذين حُرموا من معرفتهم،أو إلى الأجيال الأخرى القادمة التي لا تعرف بأن على هذه الأرض مشى أناس قد يكونوا من أفضل من كانوا في عصرهم،ولذا فعلينا أن نستذكر كل شهيد في كل يوم،ومسيرة الشهداء والجهاد في السودان ماضية الي يوم القيامة مادام الصراع بين الحق والباطل قائما،وهي رسالة من عهد جديد وتواصل اجيال،يمتد النضال وتظل التضحيات والملاحم البطولية من الذين صاروا يسجلوا كل يوم ملحمة بطولية في صفحات تاريخ بلادنا ويلقنون الاعداء دروسا لاتنسى،وشهيدنا الذي نحن بصدده لم يكن استثناءً ممن اصطفاهم الله شهداء،ولكنه كان استثناءً بشهادته زماناً ومكاناً ليظل شامة على جبين التاريخ تؤكد على صيرورة النصر الزاحف أبد الدهر ما بقيت ثلة من الأخيار الأطهار مؤمنة بشرف الفكرة ونبل المقصد ووعورة الطريق المفضي إلى إحدى الحسنيين،فداءً لمشروع الحق والعدل والتسامح،ذات الطريق الذي عبرته الدماء والجراح،وسوّرته الأنفس والأرواح،وذات المشروع الذي شادته أيادٍ بيضاء لم يمزقها الوهن،ولم تتراخ يوماً عن عزم،وعقول لم تكسرها المصائب والرزايا وقلوب مغسولة بالذكـر والمنافحة.

اعواماً كثيرة قضاها شهيدنا في جهاد متواصل،في مناطق مختلفة من غرب كردفان،وخلال تلك الأعوام المتلاحقة،تكونت لديه رؤية واضحة للجهاد،كانت تسوقه في مسيرته،وتمهد له الطريق في دروب الجهاد الوعرة،رؤية تنطلق من كتاب الله وسنة نبيه  وترتكن على خبرة وتجربة عريقة،وكانت معالم الفكر الجهادي لشهيدنا (دودي كبيرة) تقول ان الجهاد ذروة سنام الإسلام،وله أهدافه التي لا ينبغي أن يحيد عنها المجاهدون،وقد كان يرى أن تطبيق شرع الله هو الهدف الأسمى للجهاد،كما أن نصرة المسلمين واجب شرعي لا يترك،وأن النصر في المعركة إنما يكون بتوفيق  الله – سبحانه وتعالى – وبقوة الإيمان واليقين،وان الحرب التي يخوضها السودان،إنما هي في مجملها حرب ضد الإسلام،مهما اختلفت المسميات ومهما حاول الطرف الاخر أن يظهرها على غير ذلك،وكان (كبيرة)في جهاده عبر سنوات طويلة ينطلق من ثوابت واضحة وأكيدة استمدها من كتاب الله وسنة النبي (صلي) وتعلمها من رفاقه المجاهدين الذين التقاهم عبر سنوات الجهاد المتواصل،كان متيقنا ان الجهاد ليس مرتبطا بحياة الفرد، إن بقي يمضي الجهاد في طريقه،وإن قتل استمر الجهاد إلى قيام الساعة، وهذا أمر كان يؤكد عليه، لأنه يعلم أنه من الممكن أن يلقى ربه في أي لحظة،لان الجهاد هدفه الأول إقامة شرع الله عز وجل، هكذا كان يعتقد، ويظهر ذلك جليا في مراحل كثيرة من حياته وكلماته،كما أنه ذكر أكثر من مرة أن تطبيق الشريعة هو الهدف الاساسي للجهاد ولاسبيل للتفاوض مع الأعداء،فلا انتهاء للحرب مع الأعداء إلا بأن يزال الضرر الواقع على اهل كردفان، وأن ترجع إليهم حقوقهم،وأراضيهم،ووحدة الصف هي دعامة أساسية في مواجهة عدو غاشم،وعندها ينبغي التغاضي عن أي خلاف سياسي،واعتبار أن الجميع في خندق واحد،ولا ينبغي أن يصاب المجاهدون بالياس أو القنوط من رحمة الله، حتى وهو في أحلك الظروف،وعليهم بذل كل الجهد،دون أن يبدوا هلعاً أو يثيروا الفزع في نفوس الرفاق،والرفق والحرص على سلامة المواطنين فالجهاد بالنفس وطلب الشهادة، والتضحية بالغالي والنفيس،لا يعني ان يتعامل المجاهدون مع المدنيين والاهالي،بنفس الأسلوب الذي يتبعونه مع أنفسهم،بل ينبغي الرفق بهم،والحرص عليهم وعلى أرواحهم،وكان مدركا لذلك تماما،وكان حريصا على ألا يصيب الأهالي أي أذى بسبب المجاهدين،وكان قدوته في ذلك محمد رسول الله(ص) وأصحابه النجباء أنموذج من النماذج الإنسانية الحية التي ضربها الله مثلا لعباده عامة وللمجاهدين خاصة،وجعلهم قدوة في السلوك الأخلاقي والجهادي يتأسى بهم المجاهدون في كل زمان ومكان، لأن الجهاد وقبل كل شيء مسؤولية أخلاقية واجتماعية ودينية وإنسانية كبيرة، فمن تصدى لها والتحق بركب المجاهدين عليه أن يهبها حقها، لكي ينال ما ترتب على الجهاد من الفضل الجزيل، الوعد الجميل، قرآنا وسنة، دنيا وآخرة.

ان الجهاد مسؤولية ووظيفة عظيمة،وأن المجاهد لابد أن تكون له مؤهلات خاصة فمن قام بشرائط الله عز وجل في القتال والجهاد على المجاهدين،فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عز وجل،ومن لم يكن قائما بشرائط الله عز وجل في الجهاد على المجاهدين فليس بمأذون له في الجهاد،ولا الدعاء إلى الله حتى يحكم في نفسه ما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد،فالمجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم،وحليتهم بالشهادة والجنة (التائبون من الذنوب،العابدون الذين لا يعبدون إلا الله ولا يشركون به شيئا،الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال في الشدة والرخاء.السائحون وهم الصائمون الراكعون الساجدون الذين يواظبون على الصلوات الخمس،والحافظون لها،والمحافظون عليها بركوعها وسجودها،وفي الخشوع فيها،وفي أوقاتها الآمرون بالمعروف بعد ذلك،والعاملون به،والناهون عن المنكر والمنتهون عنه)،الذين بشر المولي عز وجل من قتل منهم وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنة،ثم أخبر تبارك وتعالى أنه لم يأمر بالقتال إلا أصحاب هذه الشروط فقال عز وجل: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج:39 – 40))).وفي ضوء هذا فان للمجاهد صفات ومؤهلات لا ينالها إلا الذين صبروا أنفسهم على طاعة الله،والعمل في سبيله،وأنه ليس كل من حمل سلاحا وخرج جدير بحمل صفة المجاهد،وهذا مما كان من امر شهيدنا (دودي كبيرة)،الذي سنبحر معه في هذا السفر.

صلاح عبدالوهاب المكي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الاول

سيرة ومسيرة

عندما نتحدث عن الشهداء،تتواضع الأقلام ويجف مدادها خجلاً أمام عظمتهم،وعندما تبحر في متون وصاياهم ومفرداتها تنساب ريح هادئة من عالم آخر عرفوه حق المعرفة،ولا مكان فيه للزيف أو الرياء. كلمات صادقة خُطت بدمهم القاني،ليست بحاجة إلى دليل عن صدقيتها،إذ إنهم كمن كشف له الغطاء (فأصبح بصرهم حديدا).عرفوا الدنيا لكنها لم تأسرهم بحبها فأعرضوا عنها طائعين،فأحياهم الله في كتابه العزيز ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾،كلماتهم تضج حزماً في لين،وإيماناً في يقين وحرصاً في علم،وعلماً في حلم،ملامحهم تظهر بين سطور وصاياهم، فيفوح منها عبق الإيمان والتقوى والولاء والجهاد والتضحية والإيثار واليقين من النصر بتحقيق إحدى الحسنيين ، علموا أن طريقهم طريق ذات الشوكة والصعاب،فلم يهنوا ولم يحزنوا،تصديقا لقرآن السماء(فلا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)،فجاهدوا لأننا كنت في هذا الوقت بحاجة ماسة إلى جهادهم وإلى قدراتهم في الميادين الجهادية،حيث ان الجهاد يعتبر من دعائم الإيمان،فثبتوا على عزمهم في الدفاع عن الإسلام،وصاياهم تتمحور حول المجاهدة والتشديد على وحدة المسلمين لتتكامل في منظومة واحدة يكمل بعضها بعضا،وتؤكد أهمية سلوك درب الجهاد وتأثيره على قوة الأمة وعزتها،فقضية الجهاد لها قيمة في الإسلام باعتبار أنها توحي بقوة الأمة ووحدتها، والجهاد هو الطريق الذي سلكه المسلمون ليقطعوا سبيل الفتنة في العالم،وببصيرتهم الثاقبة أدركوا منذ البداية عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم فكانوا أهلاً لها،وأدركوا المؤامرات وتحدثوا عنها وحذروا منها. وعلى خطي الشهداء سهروا ورابطوا على الثغور من اجل الحفاظ على هذه الأمة وكرامتها وحريتها لتمضي المسيرة،فقد كانت رؤيتهم شاملة،هذه الرؤية التي أثبت الواقع أنها عين الحقيقة.

هي كلمات من نور،وقبسات سريعة تبقى عاجزة عن تفسير كنه ذلك البحر الواسع من الفيض الإلهي الذي يجسده الشهداء،فكانت أنفسهم عفيفة،صبروا أياماً قصيرة أعقبتها راحة طويلة،تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم،أرادتهم الدنيا فلم يريدوها،وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها،والشهداء هم بالنسبة لنا الماضي القريب ومصدر قدرتنا على الحياة في الحاضر وقوة الدفع الأساسية نحو المستقبل،وللأمم مقاييس واضحة في إظهار مدى تعلقها بالحرية وإصرارها على الحياة بشكل حر وكريم،وتأتي على رأس تلك المقاييس مقدار التضحيات التي قدمتها لانتزاع أو صيانة حريتها؛ أوبعبارة أخرى عدد الذين ضحوا بدمائهم في ساحات الوغى لتوفير الحرية والأمان للباقين،والشهادة في هذا الإطار تعني الموت في سبيل الأهداف السامية،لأن الشهادة كانت وما تزال تعبيراً عن التضحية بالروح في طريقة التحرر والإنعتاق.وعلى ضوء هذه الرؤية نجد أن الكثير من المقولات والمفاهيم التي احتلت أماكن مقدسة في تاريخ الشعوب لم تصمد أمام قوة التغيير واختلاف ظروف الزمان والمكان،فمهما بلغت قدسية بعض الأشياء في وقت ما من تاريخ الشعوب، نجدها مجبرة على التأثر بعامل الزمن،حيث لم تعد الشعوب التي أحرزت شوطا آخر من التقدم والرقي تعيرها نفس الاهتمام وتكن لها نفس الاحترام.إلا أن الشهادة تزداد قدسية،وسمواً بازدياد مستوى الوعي الاجتماعي والإنساني لدى الشعوب؛فكلما أدركت المجموعات البشرية أن الحياة لا تملك أي قيمة إلا إذا اقترنت بالحرية والمساواة،كلما ازدادت حباً واحتراماً لأولئك الذين دفعوا ضريبة الدم في سبيلها.فللشهداء مكانة خاصة وعالية،فهم قادتنا المعنويين؛والبوصلة التي تدل مسيرتنا إلى الطريق الصحيح،سلسلة متواصلة من النضال يستحيل على أي قوة مهما بلغ جبروتها النيل من حلقاتها،نستلهم منهم روح الفداء ،والشجاعة لأنهم ضحوا بكل شيء في سبيل القضية الكبرى،دون أن يفكروا ولو للحظة بأنفسهم،نجد فيهم مصدر إيماننا الثابت بالنصر لأننا ندرك تماماً أن مسيرة تتقدمها قوافل الشهداء سوف لن تقبل بأقل من النصر.
وتعد فلسفة حياة الشهيد بالنسبة لنا،المرآة الكبيرة التي نتعرف من خلالها على أنفسنا ونجد فيها درجة تمثيلنا للخصائص النضالية،لأن حياة الشهيد هي المؤشر الأكثر وضوحاً وكمالاً لمقاييس الثورة والنضال.من هذا المنطلق فإنه مهما تكن الصعاب لا نجد أمامنا خياراً آخر غير النضال،لأن الشهداء قالوا الكلمة الأخيرة،ولم يكتفوا بالقول بل ضحوا بحياتهم في سبيل تطبيق تلك الكلمة،،والمهمة الأساسية لنا تكمن في حماية وتطوير القيم التي خلفها شهداؤنا،وكل ما نتمتع به من قيم مادية و معنوية هي على الإطلاق من صنع الشهداء.منهم بدأنا المسير ومن ذكراهم نستمد ضمان الاستمرار والنصر،ولم يتبقى لنا إلا السير بخطى واثقة في الطريق الذي فتحوه بدمائهم،والحفاظ على الميراث الذي تركوه كما نحفظ ماء عيوننا،وأن نوفر كل المستلزمات الكفيلة بأن تبقى رايات النضال التي اسلمونا لها مرفوعة وشامخة شموخ جبال الوطن. فعلى صخرة روابطنا الوثيقة بالشهداء تتحطم كل المؤامرات التي تستهدف امتناوعقيدتها،هذه العقيدة التي صاغها شهداؤنا بعهود شرف وقعت بالدم،لا تراجع فيها،لتظهر بشكل متراص ومتجانس ووحدة روحية صادقة،بعيدة كل البعد عن أي عامل مادي يعكر صفوها،إن رفاقنا الذين ضحوا بحياتهم كانوا يحاولون إظهار أن شعبنا مستعد لتقديم كل التضحيات اللازمة،وإن كلفه ذلك التضحية بحياة بنيه،وأنه مهما بلغت قوة وجبروت الأعداء فإنها ستبقى عاجزة عن إعاقة ذلك.وبالفعل فقد أصاب الأعداء الرعب والفزع تجاه آيات التضحية والفداء التي أظهرها شهدائنا كما حدث في الميل (40) وأدرك العالم كله أن الإمكانات المادية والتقنية الكبيرة التي يتمتع بها الأعداء تبقى عاجزة عن قتل أمل الشعوب في الحياة الحرة.

إن بلوغ الأهداف الكبرى في الحياة يَستلزم تضحيات كبرى مكافئة لها،ولا ريب أن سموَّ الأهداف وشرف المقاصد،ونُبْل الغايات تَقتضي سمو التضحيات وشرفها ورقيَّ منازلها،وإذا كان أشرف التضحيات وأسماها هو ما كان ابتغاء رضوان الله تعالى ورجاء الحظوة بالنعيم المقيم في جنات النعيم،فإن الذود عن حياض هذا الدين والمُنافَحة عن كتابه وشرعه ومقدساته،يتبوأ أرفع درجات هذا الرضوان،ثم إن للتضحيات ألوانًا كثيرة ودروبًا متعدِّدة،لكن تأتي في الذروة منها التضحية بالنفس،وبذل الروح رخيصة في سبيل الله لدَحرِ أعداء الله ونصر دين الله،وذلك هو المراد لمُصطَلح الشهادة والاستشهاد،وإن الشهادة في سبيل الله درجة عالية لا يَهبُها الله إلا لمن يَستحقُّها، فهي اختيار من العلي الأعلى للصفوة من البشر ليَعيشوا مع الملأ الأعلى،﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾(آل عمران:140)،إنها اصطفاء وانتقاء للأفذاذ من البشر ليكونوا في صحبة الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (النساء: 69).

فالله كرَّمه وأعلى شأنه

وله الخلود بجنة الرضوان

إن الشهيد مقامه في أوجها

كالنَّجم يَسمو فوق كل مكان

حيٌّ، وكل الناس في أجداثهم

فالرُّوح في الرَّوضات والأفنان

 

والحياة في حضرة الشهداء،واستذكار بطولاتهم،لها طعم خاص،ومذاق مختلف،لأنها حياة مع مُصْطَفيْن من قبل الله..لأنها حياة مع العظمة والجلال والجمال،مع الطمأنينة والسكينة والرضا والسلام مع النفس،بل والسلام مع الكون كله،لأنها حياة مع أحياء أبد الدهر،كانوا أحياءً قبل استشهادهم يتحركون على الأرض بين الناس،يرونهم،يتعاملون معهم يستمعون إليهم،وهم بعد استشهادهم أحياءٌ أيضاً،ولكن عند ربهم، إنها حياة ليست كالحياة التى ألفها أو اعتادها الناس .. حياة من نوع آخر،بل هى الحياة الحقيقية،فهؤلاء الذين يقتلون فى سبيل الله ليسوا أمواتا،إنهم أحياء،فلا يجوز أن يقال عنهم :أموات،لا يجوز أن يعتبروا أمواتا فى الحس والشعور،ولاأن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان،إنهم أحياء بشهادة الله سبحانه،فهم اذن أحياء، ليس هذا فقط ولكنهم يرزقون عند خالقهم ومولاهم وهم فى قمة السعادة والبهجة وغاية السرور والحبور (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(آل عمران: 169-170)،أى يفرحون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يموتوا فى الجهاد بما سيستمتعون به مثلهم من كرامة حال استشهادهم..وهنا الفرق بين الحياة مع الناس،والحياة عند الله..هذه مكانة،وتلك اخري،ومنزلةٌ لها جلالها وسُموّها ورُقيّها وعظمتها.. لان الحياة مع الناس حياة تختلط فيها الغرائز مع العقل،والمادة والطين مع الروح..أما تلك الحياة فهى حياة فى الملأ الأعلى،مع السمو والجلال والكمال،مع الطهر والنقاء والصفاء، حياة خالصة من الكدر والشوائب والنوائب،والحياة مع سيرة الشهداء تصغُر معها الدنيا بكل ما فيها من زينة وزخارف وزوج وأولاد وأموال وسلطان وجاه، والحياة مع الشهداء تتضاءل معها كل المحن والمصائب والكوارث التى تحل بالإنسان،سواء فى نفسه أو فى أهله أو فى ماله أو فى ولده ..لذا تبدو الحياة مع الشهداء حياة مع الكرامة فى أبهى صورها،حياة مع العزة فى أحلى معانيها،وحياة مع الرقى والعلو والاستهانة بكل ما يشغل الإنسان فى حياته الدنيا .

الحياة مع الشهداء تثير لدى الإنسان مجموعة من التأملات والتساؤلات .. أين هو من هؤلاء الشوامخ ؟! أين هو من هؤلاء العمالقة الأفذاذ؟ بل أين هو من هذا الاصطفاء والاجتباء؟ وهل هو أهل له ابتداءً ؟ وفى الوقت ذاته يشعر الإنسان بعظمة الإسلام والإيمان الذى خالطت بشاشته هذه القلوب فأحدثت فى أصحابها هذه النقلة العبقرية التى تجاوزت حدود الزمان والمكان،بل تجاوزت قيم المادة بكل مكوناتها، وجعلت الإنسان – ذلك الكائن الضعيف – أقوى الأقوياء، ذلك الكائن الذى يرسف فى أغلال المادة يحلق بحرية فى أعلى درجات الجنان:

 

لا تحزَنوا يا إخوتي

إني شَهيد المِحنةِ

وكرامتي بشَهادتي

هي فرحتي ومسرَّتي

ولئن صرعتُ فذا دمي

يوم القيامة آيتي

الريح منه عاطر

واللون لون الوردةِ

آجالنا محدودة

ولقاؤنا في الجنةِ

ولقاؤنا بحبيبنا

بمحمَّد والصُّحبةِ

وسلاحنا إيماننا

وحياتنا في عزَّةِ
وأحياناً يطلب الإنسان الشهادة ولا ينالها..إذ من العجيب والغريب أن تجد عبقريا (كخالد بن الوليد) رضى الله عنه،يشهد كل هذه الحروب والملاحم ويخوض غمار القتال فى معارك شرسة وضارية لم يعرف لها التاريخ مثالاً، ويتعرض للاستشهاد عشرات المرات لكنه يموت مثل كثير من الناس على فراشه .. ولما حضرته الوفاة فاضت دموعه حزناً وأسيً وأسفا لعدم ادراكه الشهادة..يقول رضى الله عنه :(لقد حضرت كذا وكذا زحفاً وما فى جسدى موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف،او رمية بسهم،أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشى حتف أنفى،كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء).وتلك عجيبة أخرى صاحبها عمرو بن ثابت بن وقْش..لقد رقّ قلبه للإسلام فقط يوم أُحُد بعد أن كان عصيا عليه،فأنزل الله تعالى عليه فيوضات رحمته وتجليات هدايته سبحانه فى تلك اللحظات الفارقات،يصك سمعه هذا النداء العلوى: (حى على الجهاد .. يا خيل الله اركبى) فجأة يفزع عمرو بن ثابت،يأخذ سيفه،يدخل ميدان المعركة فيقاتل بشجاعة نادرة وبسالة منقطعة النظير حتى يرقى شهيدًا..ومن عجب أن الرجل لم تكن لديه فرصة كى يركع لله ركعة واحدة !! هذا هو الاجتباء والاصطفاء)..(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(آل عمران: 140)، وهل يصطفى الله تعالى أحدا لا يحبه؟ وهل ينال أحد هذا الحب إلا إذا كان أهلا له ؟ :

 

يا للشهيد كأنه ملِكٌ

دُنياه شامخة وأُخراهُ

لله درُّ أبيه مِن بطل

كالكوكب الدرِّيِّ تَلقاهُ

مِسكُ الجنان يفوح من دمه

والبدر يَسطع مِن مُحياهُ

في الأرض ندفنه وفي قمم

الفردوس عند الله محياهُ

ليلاه حوراء الجنان إذا

كل امرئ شغفَتْهُ ليلاهُ

هذا الشهيد ألستَ تعرفه

العزُّ بين يديه والجاهُ

العزُّ في كنف العزيز ومَن

عبَدَ العبيد أذله اللهُ

 

الباب الثاني

سليل الفاتحين

أصله من ابكار الثورة المهدية،وعلاقة المسيرية بالمهدية قال عنها الإمام المهدي (المسيرية أبكار المهدي) وقال الخليفة عبدالله التعايشي(المسيرية بالنسبة لي كالشجرة الظليلة الجأ إليها وقت الهجيرة)،وربما كانت هاتين المقولتين عن دور المسيرية في الثورة المهدية أبلغ من أي صفحات أو أي مقالات يمكن أن تكتب أو تقال لتفي المسيرية حقهم كاملاً لما لعبوه من دور وتضحيات جسام بذلوها انتصاراً للثورة المهدية،فقد حاربوا ضد الإستعمار وذلك حينما جاء(علي الجلة) مع كوكبة من رجاله حال رجوعهم من الأبيض لتسلم الإتاوة المفروضة عليهم من قبل الأتراك،جاءوا لديارهم بخبر أن المهدي المنتظر قد ظهر و(أكل) الأتراك في قدير وماس الجرادة،و(عصر)على الأبيض أي حاصرها،وشددّ عليها،حينها اجتمع المسيرية وأعلنوا عصيانهم للأتراك،وشنوا هجوماً عنيفاً مباغتاً على حامية الأتراك بمنطقة (طيرة حميرة) بالقرب من مدينة (الأضية)الحالية فأبادوها عن بكرة أبيها،واستولوا على أسلحتها وعتادها ثم ظعنوا جنوباً حيث أرسلت الحكومة التركية تجريدة مسلحة بقيادة(الأغا) لتأديب المسيرية وإخماد ثورتهم باسم المهدية.وفي منطقة عجاج على بعد 85 ميل جنوب شرق مدينة المجلد الحالية وبعد ان استدرج المسيرية في خطة محكمة حملة الأتراك الى داخل الغابات،ووزعوا قبائلهم ومقاتليهم في مخابئ كثيرة وسط الحشائش والأدغال على جانب الطريق الذي سيسلكه جيش الأتراك،وبالاتفاق مع الأعراب ومعهم كثير من رجال (الروب بيونق ناظر دينكا نقوك ابيي) حيث ضربت النقارة المتفق عليها وهي نغمات تحدثها عصى معلومة،واسمها(الخدم) أي خدمة الحرب،وهي معروفة لدى كل قبائل البقارة،في تلك اللحظات انهالت الخيول كالأسود الكواسر على جيش الأتراك،وانهالوا عليهم من جميع الجهات،وماهي الا لحظات حتى ابيدت حملة الأتراك عن بكرة أبيها،بعدها أرسل الامام المهدي رسل التهنئة للمسيرية على ذلك الأنتصار الكاسح باسم المهدية،فالشهيد(دودي كبيرة) يعد من أبكار الثورة المهدية الذين شارك اباؤهم في فتح الخرطوم وكانوا لصيقين بالفاتحين للخرطوم والمقاتلين في ام دبيكرات وكرري .

 

 الميلاد:

من مواليد عام 1920م بمنطقة (البيضة) ريفي المجلد،عمل مزارعاً وراعياً،نشأ نشأة البداوة وصنع صنعة النبوة،فـ(دودي كبيرة) شيخ الشهداء، وشيخ المجاهدين،وأسد المسيرية،حصد (دودي كبيرة) إعجاب وتعاطف الكثير من الناس أثناء حياته، وأشخاص أكثر بعد استشهاده،فأخبار الشيخ الطاعن في السن الذي يُقاتل في سبيل بلاده ودينه استقطبت انتباه الكثيرين،فكبر في أذهان الناس وأصبح بطلًا شهيدًا،حصد (دودي كبيرة)الانتباه منذ صباه،فهو اليافع الذي مارس مهنة الانبياء،حيث كان راعيا في المجلد،وشهد له الجميع بالنباهة ورجاحة العقل، ومتانة الخلق، وحب الدعوة،وكان يقوم بما عليه من واجبات عمليَّة أسوة بزملائه الذين يؤدون أعمالًا مماثلة في ساعات معينة في مناطق الجهاد،وكان مخلصًا في عمله متفانيًا في أداء ما عليه،ولم يعرف عنه زملاؤه أنه أجَّل عمل يومه إلى غده،وهكذا اشتهر بالجدية والحزم والاستقامة والصبر،ولفتت شمائله وصفاته وما يتحلى به من أخلاق عالية الانظار، اكتسب من العلوم الدينية الشيء الكثير ومن العلوم الدنيويَّة ما تيسَّر له،فأصبح على إلمام واسع بشئون البيئة التي تحيط به وعلى جانب كبير في الإدراك بأحوال الوسط الذي يعيش فيه وعلى معرفة واسعة بالأحداث القبلية وتاريخ وقائعها،وتوسَّع في معرفة الأنساب والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض، وبتقاليدها،وعاداتها، ومواقعها،وتعلَّم من بيئته التي نشأ فيها وسائل فض الخصومات البدوية ومايتطلبه الموقف من آراء ونظريات،كما أنه أصبح خبيراً بمسالك غرب كردفان وبالطرق التي كان يجتازها،وكان على دراية بالأدواء التي تصيب الماشية،ومعرفة بطرق علاجها نتيجة للتجارب المتوارثة عند الرعاة وهي اختبارات مكتسبة عن طريق التجربة الطويلة،والملاحظة الدقيقة،وكان يعرف سمة كل قبيلة،وهي السمات التي توضع على الإبل والأغنام والأبقار لوضوح ملكيتها لأصحابها. وهوعظيم بعظمة تاريخه؛مؤمن عابد وناسك له ذكرى عطرة لأجيال مقبلة،تعلم الدرس بالصبر،ووثب كالأسد في عرينه وزأر وثار لله فهو أمة ولها هوية وتاريخ.

فالشيخ الشهيد عبدالله دودي كبيرة نوثق له ونحرص على التوثيق لنحفظ له حقه في حياته الزاهرة،ومجده التليد وتضحيات ابناؤه الشهداء (الحسن ومحمد)،فهي اسفارا تحمل قيماً كالخواطر التي تراقب المرء عندما يستمد إلى الحياة،فالرقيب على حياته هو المولى عز وجل ليتوارثها الابناء عن الاجداد والآباء في هذا العصر الذي تنوعت فيه أدوات التوثيق،لكن هذا الشهيد هو أمة كاملة،ومثال وانموذج لشهداء أحد،ورمزية للشهداء الشيوخ،كيف لاوهو يتلمس سيرة الصحابة في صدر الاسلام ويستهدي بابي بكر الصديق في قوة الإيمان،فقد كان عمر رضى الله عنه يقول كنت أتمنى أن أسبق أبا بكر يوما فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالصدقة وكان عند عمر مال حاضر من ذهب وفضة فقال في نفسه اليوم أسبق أبا بكر فأتى ماله فقسمه نصفين ابقى نصف لعياله وجاء بالنصف الثاني للنبي عليه الصلاة والسلام ثم وضعه بين يديه رفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره إلى عمر ثم قال ماذا تركت لأهلك ؟ قال تركت لأهلي مثله ثم جلس عمر رضى الله عنه ينتظر ابابكر،فإذا بأبي بكر جاء بصرة عظيمة وضعها بين يديه عليه الصلاة والسلام فقال صلى الله عليه وسلم يا ابا بكر ماذا تركت لأهلك قال تركت لهم الله ورسوله فنظر إليه عمر وقال والله لا سابقت أبا بكر بعد اليوم أبدا،وكبيرة لم يتردد في نهج ذلك النهج،فلم يترك لهم المال ولكنه ترك لأبنائه الله ورسوله،و(دودي كبيرة)،لم يكن له مثل ذلك المال،ولكنه حين جلس بين يدي الرئيس والحاكم قال له (تركت اهلي وعيالي في حجاك وفي حجا الله)،وهكذا تتراكم السنوات والمواقف،ولكن تبقي المبادئ التي استنها ديننا الحنيف هي الهادي والاس المتين من لدن عصر صحابة رسول الله حتي عصر الشهيد (دودي كبيرة):

 

لا تقولو لقد فقدنا الشهيدا

مذ طواه الثرى وحيداً فريدا
أنا ما مت فالمـلائك حولي

عند ربي بعثت خلقا جديدا
فاصنعوا اليوم من شموخي نشيدا
إن دفق الدماء عبر الجراح

يبعث النور في جبين الصباح
ودمي راية الشهادة تعلو

قد أظلـت سماءنا بوشــاح
سوف يطوي الطغاة في كل ساح
قد سما النسر فوق شم الجبال

ومضى يرتقي صروح المـعالي
وإذا البغي في الظلام تمادى

واجـه البغي فوق حد المضال

بلظى الموت والردى لا يبالي
أنا للــه قد نذرت حيـاتي

وسألت الله حســن الثبـاتِ
فإذا ضمخت الدماء صدري

واحتواني الثرى وضم رفاتي
فاذكروني إخوتي في الصلاة

 

 

 

الباب الثالث

والد الشهيدين

لايوجد في الدنيا اعز من الابناء،فهم زينة للحياة،هذا ماقاله ديننا الحنيف،فكيف لو ان الاباء يهبون جل ما يملكون،روح فلذات الاكباد،شهداء ابرار في مسيرة الوطـــن الغـــالي،انهـــم النبلاء،الصابرون،الطاهرون المحتسبون،سنديان الكرامة،ورمزالشرف والعفاف، من تشبثوا بعروق الوطن حتى لأتقطع،لم ينكسروا رغم أن المحن نالت منهم،ومعاول الألم أنهالت عليهم،ان آباء وأمهات الشهداء ينظر لهم المجتمع كقدوة،فأب الشهيد يتحول إلى ملهم صبر،ويتحول لمثال للعطاء،فيتحمل الأب مسؤولية استمرار خط الشهادة في سلوكه ومواقفه،نعم هي حرقة لا تنتهي لغياب الأحبة،بالنسبة إليهم،لانهم الأبناء،وبالنسبة إلينا أصدقاء وأبناء أيضاً،عايشنا البعض منهم وتركت هذه المعايشة حسن الذكر وسبب غيابهم حرقة لنا،ولكن عندما نتأمل في طبيعة الحياة نجد أن الموت يختطف الناس جميعاً،صغاراً،كباراً،أصحاء ومرضى،في كل يوم..وهذا المعنى أحد المعاني الكبرى في حياة أي انسان بحياته الشخصية وفي حياة أي انسان يرتبط بك،فكم ستكون الحسرة لو ذهب ابناءنا وهم في منكر؟ كم سنتسحسر لأنهم فقدوا حياتهم وهم بعيدين عن رضا الله سبحانه وتعالى،ولكن ان أتينا بصورة الشهداء،وأتينا بصورة الشهيد بما نعرفه من ثقافة الشهيد في القرآن والتعاليم الاسلامية الصادرة من رسول الله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام،هنا ستبرز حقيقة أن خير الخاتمة بأجمل صورها التي يمكن أن ترد على بالنا،فقد أختار الله من أحبتنا من يكللهم بهذه الخاتمة،وهو ما اختاره (دودي كبيرة) لابنيه.

فالشهيدين ذهبا الى رضوان الله،ذهبا الى الحياة التي وعد الله سبحانه وتعالى،ذهبا الى الفرح الذي بشر به الله سبحانه وتعالى خير خاتمة،انها الشهادة،الطريق الواضح لرضا الله سبحانه وتعالى،وبعد ذلك،بعد كل العلم والمكانة والفقاهة،الله سبحانه وتعالى كريم، فيعطي أوسمته، ليس من اللازم أن يكون ذلك لعالم أو فقيه،لا.. قد يعطي أوسمته إلى شاب أخلص النية له للحظات..إلى رجل أو امرأة..اختار الله سبحانه وتعالى كوكبة من أبناء هذا الشعب،بحسب عقيدتنا وفهمنا أنهم سبقونا الى رضوان الله والى الجنة،ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرهم مع النبيين والصديقين والشهداء، وقد تركوا المسؤولية علينا جميعاً..

والشهيد دودي كبيرة الأب الذي لديه شهيدين تحول في نظر الناس الى أيقونة،والى ملهم صبر،وتحول الى عنوان لاستمرار ثورة الجهاد في ارض غرب كردفان الغراء،وتحمل مسؤولية استمرار خط الشهادة في سلوكه ومواقفه،حتي لحق هو بابنيه الشهيدين،هذا أمر الله،ولكن عنوان الشهادة يضيف علينا مسؤولية كبيرة..والد شهيد يعني نموذج الى الالتزام في المجتمع،نموذج الى الخلق في المجتمع،وهذا ما يليق بالشهادة،فتضحيات شهداء الواجب مثل (دودي كبيرة) وابناؤه،أبطال الوطن البواسل جاءت لتعلي كلمة الحق ودفاعا عن الأهل لرفع الظلم عنهم وتمكينهم من حياة عزيزة كريمة يسودها العدل والنظام والشرعية،كما تجسد الواجب تجاه الوطن لصون عزته وكرامته والذود عن حماه،بتضحياتهم النبيلة ثمنا لرفعة وحماية تراب الوطن الذي تربوا على أرضه ونهلوا من خيره، وهم ضربوا أروع الأمثلة في التضحية بدمائهم وأرواحهم ليبقى السودان وطن العزة والكرامة،ولنا ان نفخر بالشهداء البواسل ابناء (دودي كبيرة)الذين سطروا أسماءهم كأبطال في التاريخ السوداني.. ونحن هنا في هذا السفر نتذكر تضحياتهم وبطولاتهم،فهم قدموا أرواحهم الطاهرة والذكية دفاعا عن ترابه وسيادته وأمنه ودفاعا عن الاستقرار،وأن أكثر ما يعبر عن رحلة الشهداء وبطولاتهم تجاه الحق والعدل إن شهداءنا هم رموز عزتنا وكرامتنا وفخر شعبنا ووطننا،وهبوا أرواحهم ودماءهم له لتظل راية الدولة عالية خفاقة في ساحات البطولة وميادين الواجب،فهم سيبقون دوما درعا واقيا،وحصنا حصينا لهذا الوطن المعطاء وعونا وسندا للحق والعدل والنصرة،وهم يمثلون القدوة الحسنة للشباب في الدفاع عن الحق والعدل،ونموذجا يحتذى في العزة والكرامة،وتلبية نداء الواجب الوطني وما يزيدنا اعتزازا بأن أبناءنا في كل موقع سيتناقلون هذه الصور المضيئة التي رسمها شهداء الوطن بدمائهم من امثال (الحسن ومحمد)ابناء الشهيد (دودي كبيرة)،وستظل أرواح الشهداء وسام عز لجميع الأجيال،لانهم قدموا الغالي والنفيس،وفازوا بالشهادة.

إننا ونحن إذ نكتب عن(الشهيد دودي كبيرة والد الشهيدين) شهيدي العزة والكرامة نقف إجلالا واحتراما لأرواحهم الطاهرة التي جسدت قيم حب الوطن والفداء من أجل أمن الوطن وحمايته من شر الماكرين،مجسدين تلبية الشعب لنداء قادته للحفاظ على أرضنا وقيمنا وإنجازاتنا الحضارية التي تنعم بها دولتنا،ونجدد العهد بالاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل راية الوطن،ونفتخر ونعتز بكل شهيد نزفه دفاعا عن الحق والعدالة والكرامة الإنسانية. وشهداء السودان الذين روت دماؤهم تراب الوطن سطروا أسماءهم في سجل التاريخ بأحرف من نور وهم مثال يحتذى به في الانتماء والولاء،وإن مجاهدوا السودان الأوفياء يضرب بهم المثل في البطولة والشجاعة،بأخلاقهم الرفيعة وحرصهم على أداء الواجب ومبدأهم إما النصر أوالشهادة،مضوا ووجوههم مستبشرة في نصرة الحق والعدل ونيل شرف الشهادة العظيم،وهم قد أدوا واجبهم الوطني بكل شجاعة ليقدموا صورة مشرقة ومضيئة عن حبهم ووفائهم لوطنهم وإقدامهم على نصرته،وأن الدماء التي سالت لن تزيد ابناءنا إلا ثباتا وقوة وإصرارا على المضي قدما على خطى الشهيد وابنائه حفاظا على راية العزة والكرامة،والوطن سيبقى عزيزا مصانا مهابا رغم أنف أعدائه الطامعين لأن لوطننا ربا يحميه ورجالا شرفاء يذودون عن حياضه،ولا يبخلون بأرواحهم ودمائهم لرفعة رايته ودوام عزته وانتصاراته،فالتضحيات التي قدمها ويقدمها أبناء السودان البررة وإقدامهم المشهود وولاءهم اللامحدود محط تقدير الوطن بشعبه وقيادته في الدنيا،وعند الله حسن الثواب وخير الجزاء،إذ لا خوف على أبطالنا ولا هم يحزنون،فلا شرف يعلو فوق شرف الشهادة في ساحة القتال دفاعا عن الكرامة والعزة والوطن، فمجاهدي الوطن البواسل لم تثني عزائمهم الخطوب، ولا المحن فهم أهل العزم إن تدعى العزائم وقد عاهدوا الله والوطن والقيادة على المضي قدما في رسالتهم المقدسة للذود عن حياض الوطن والدفاع عن شرف الأمة.

أن هؤلاء الأبطال (ابناء دودي كبيرة الشهداء) الذين سجلوا بدمائهم معنى الانتماء هم ثمرة ما غرسه الوالد،يسطرون البطولة والفداء على أرض المعركة غير آبهين للعدو لأنهم على يقين بأن نيل الشهادة لا يستحقها سوى الأبطال،وهم كوكبة غالية،قلدوا وطنهم أوسمة فخر وعز وستظل أسماؤهم خالدة لأجيال قادمة،فالشهادة في سبيل الله هي حسن الخاتمة لما لها من منزلة عظيمة عند الله عز وجل،فهم جسدوا أروع حكايات الوطن بالتضحية في سبيل وطنهم،الذي يعلو بهم شموخا وعزة تطوقه جباه بواسل قواتنا المسلحة الشجعان؛وتجعلهم أكثر قوة وعزيمة في مواجهة كل معتد،وان استشهادهم فخر ووسام شرف لكل أبناء الوطن يمنحهم القوة والتلاحم،وشهداءنا الكرام قدموا أرواحهم الذكية من أجل أن يعم السلام،وحفاظا على أمن وأمان المنطقة برمتها وهم سطروا أسماءهم بحروف من ذهب في درب الفخر والعزة،لأنهم قدموا أغلى ما عندهم فداء للوطن،مجسدين بتضحياتهم المعنى الحقيقي للانتماءالمخلص،وان استشهادهم سيبقى رمزا خالدا في النفوس،وعنوانا ومثلا لمعاني الشهادة والفداء التي لا يكون عليها إلا الرجال الأشداء،الذين أدوا الرسالة بكل إخلاص وتفان دفاعا عن الوطن وصورة الإسلام الحقه،وبعثوا في النفس الطمأنينة واللحمة المتينة التي يستشعرها كل السودانيين،وان انضمامهم إلى قافلة من سبقوهم في افتداء ورفعة راية السودان،يؤكد أنهم كانوا يمثلون شرف المجاهدة بجرأة وشجاعة فنالوا طريق الشهادة بكل معاني الشرف والبطولة.

فنحن نعتز بشهداء الوطن الأبرار الذين نالوا الشهادة وقاموا بواجبهم المقدس، ضاربين أرقى نماذج الوفاء والإخلاص لوطنهم ليستحقوا أغلى وسام شرف وسيذكرهم التاريخ والاجيال،وحري بنا ان نقف بكل إجلال وتقدير واحترام لما قدمه الشهداء من صورة مشرقة ومضيئة ستظل في أذهاننا وأذهان الأجيال اللاحقة في تاريخ دولتنا فقد آمنوا بعدالة القضية وأدوا أمانة الوطن،ليقدموا نموذجا مشرفا للبطولة والشجاعة،فهم رمزا للإقدام ودليلا للعطاء،وبعزيمة مثل هؤلاء الرجال تتحقق كرامة الأوطان وعزها، وشهداء الوطن هم الفخر والعزم والعزيمة على فداء الوطن بالدم والروح،وهم أبلغ الصور المعبرة عن قيم التلاحم والترابط والاعتزاز،وهم اختاروا هذا الطريق فهنيئاً لهم وهنيئاً لكل مجاهد في سبيل الله،فيا ايها الاباء المضحون طبتم وطابت ارض عليها وطأتم،ودمتم للأمة ذخراً،وعوناً،وسنداً،فبتضحياتكم نلنا شرف الانتصار،فانتم من قدمتم اولادكم وفلذات اكبادكم كرامات لعيون الوطن،وهذا الوطن اليوم يكرمكم وينحني اجلالاً لعطاءاتكم.. فشكراً لكم،وكل اولاد الوطن اولادكم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الرابع

رفقة الاخيار

يناضلوا….

يقاتلوا…

يحاربوا…

لا عائلاتهم أو أموالهم أو جراحاتهم

أو كل ما هو دينيوي…

يعيق غايتهم ومناهم..

هؤلاء ليسوا بشر مثلنا

فهم نورانيين كالملائكة….

هؤلاء اصفياء الروح كالأنبياء

هؤلاء اتقياء العقل كالعلماء

هؤلاء أنقياء اليقين كأهل آل البيت

هؤلاء هم رجال الله

هؤلاء هم شهداء الحق وما بدلوا تبديلا…

 

هذه هي الشهادة في سبيل الله ورضاه..كم من صور وأخبار نسمعها عن الشهداء …شهداء لله فقط..وأستحقوا ونالوا بفضل الله تعالى مرتبة ومكانة وفضل الشهداء..أحياء عند ربهم يرزقون نعيم دائم وخالد لا ينتهي ..ويكفيهم أنهم شهداء .. شهادة لا ينالها إلا من كتب الله له هذه المكانة العظيمة،فهم نفر كرام في مسيرة الجهاد،ركبوا سفينته كنخبة متميزة من أبناء هذا الدين تحت راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم)،تميزوا أفذاذاً فجاء اصطفاؤهم شهداء لانهم خيار من خيار،ولقد شهد بذلك كل من عرفهم وكان بهم لصيق.فالشهيد (عبدالله دودي كبيرة)عندما يذكر،تذكر شوامخ كانت واعلاماً ظلت وجبالاً لا تهزها عاتيات الريح .

وجد (دودي كبيرة) نفسه مُجاهد يُقاتل في سبيل بلاده ودينه،وكان قد اكتسب خبرة كبيرة في أساليب وتكتيكات الحروب،وكان له معرفة سابقة بجغرافيَّة المنطقة وبدروبها ومسالكها وكل ما يتعلَّق بها، فاستغل هذه المعرفة وتلك الخبرة ليحصل على الأفضليَّة دومًا عند مجابهته الاعداء،وقد كان متديناً للغاية ومتمسّكاً بقوَّة بدين الإسلام، وكان مؤمناً بمبدأ الجهاد ومتحمّساً للأفكار الدينية حماساً عظيماً،وشديد الولاء والإخلاص لوطنه، أصبح (دودي كبيرة) شهيدًا بطلًا،ومثال المجاهد الصالح صاحب العقيدة السليمة السويَّة،الذي بذل نفسه وماله للدفاع عن دينه وبلده ضدّ عدو عنصري لا يعرف الشفقة،رفض (دودي كبيرة) كل عروض الاستسلام،وكبطل ومجاهد عظيم عمد إلى اختيار مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة، فقد قال فيما قال حينما طلب أمام الجميع في متحرك راجا من السيد الرئيس أن يعطيه حصان (ليعلم هؤلاء المتمردين درساً)..و ترك أبناءه لله… ولقي ربه شهيدا) وكاني به يقول كما قال المجاهد الشيخ الليبي البطل عمر المختار نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت:

  • من كافأ الناس بالمكر كافأوه بالغدر.
  • ان الضربات التي لا تقصم ظهرك تقويك.
  • يمكنهم هزيمتنا اذا نجحوا باختراق معنوياتنا.
  • لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي.
  • نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح.
  • سوف تأتي أجيال من بعدي تقاتلكم، أما أنا فحياتي سوف تكون أطول من حياة شانقي.
  • انني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الايمان اقوى من كل سلاح.
  • ان الظلم يجعل من المظلوم بطلاً، وأما الجريمة فلا بد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء.
  • اننا نقاتل لأن علينا أن نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتى نطرد الغزاة أو نموت نحن، وليس لنا أن نختار غير ذلك، انا لله وانا اليه راجعون.

 

خُيّرت فاخترت المبيت على الطوى

لم تبن جاها أو تلم ثراء

إن البطولة أن تموت مـن الظما

ليس البطولة أن تعـب الماء

والمسلمون على اختلاف ديارهم

لا يملكون مع المصاب عزاء

والجاهلية مـن وراء قبورهم

يبكون زيد الخيل والفلحاء

لـم تُبْـقِ منـه رَحَى الوقائِع أَعظُمًا تَبْلَى

ولم تُبْـقِ الرِّماحُ دِمـاءَ

كَرُفاتِ نَسْرٍ أَو بَقِيَّةِ ضَيْغَـمٍ باتا

وراءَ السَّـافياتِ هَباءَ

بطـلُ البَداوةِ لم يكن يَغْـزو على “تَنْكٍ”

ولم يَـكُ يركبُ الأَجواءَ

لكـنْ أَخو خَـيْلٍ حَـمَى صَهَواتِها

وأَدَارَ من أَعرافها الهيجاء

 

كان مع الشهيد ملازم أول عيسى بشارة ونيس من مواليد العام 1957م والشهيد أحمد حمدان ابو صاغة الذي تجند بالقوات المسلحة في اورطتها الأولى بالابيض،وقضى حياته نمراً في اعلى الجبال وأكمل الخدمة الطويلة الممتازة بالقوات المسلحة والتحق بعد قضاء خدمة الجندية متطوعاً بقوات الدفاع الشعبي واصطفاه الله شهيداً.

ثم الشهيد مصطفى برغوث حمودة حمل في قلبه الوفاء للوطن وعاصر عهد ما قبل الانقاذ في حماية الحدود،ومنع وصول الفكر الماسوني الفاسد، وكان مع رفاقه؛الشهيد عيسى بشارة ونيس في متحركات القطارات،لم يتخلف عن اي واحد منها،ثم استوعب برتبة الرقيب أول بقوات اللواء 107 مستقل لكنه ظل مرابطاً بقوات الدفاع الشعبي حتى سقط شهيداً في عملية العزة في هجليج 2012م،ثم الشهيد شيبون اسحق علي فزاري من الكاس شهداء منطقة المسيرية وله تاريخ ناصع وبسالة منقطعة النظير،وعاصر شهيدنا هذا المجاهد الامير الصادق فريد محمد أبو القاسم والمجاهد الامير داؤود محمد عبدالله،فالشهيد (عبدالله دودي كبيرة) كان ممن سمعنا بهم ولم نرهم حتى نمضي بقلمنا عنهم وهم كثر بذكر الشهيد،ونذكر معه الشهيد شرفي مكي رزي والشهيد عبدالهادي الرشيد الفاضل والشهيد ياسين اسماعيل محمد والشهيد الشمو عيسى منور.

فالموقف هنا ليس موقف كلمات،فالعبارات تعجز عن أن تُسطر شيئاً مما سطره هؤلاء الرجال الأبطال الجبال بدمائهم، فأنّا للكلمات أو العِبارات أن تؤدي ما في نفوسنا وما نجده في قلوبنا ونحن نجلس في حضرة الذين ما وجدوا شيئاً أغلى من نفوسهم ليقدموه فِداء لدين الله عز وجل، إننا وعبر هذا السفر نجلس مع شهداء،هذه الصفة هو ذا الاسم العظيم الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لمن تكون نهايته كنهاية هؤلاء،الله عز وجل هو الذي سمّاهم شهداء والله عز وجل هو الذي أخبرنا خبراً يقينياً لا ريب فيه أنهم أحياء ولو تكلموا أمامنا لقالوا: (إنا قد لقينا ربنا فرضي الله عنا ورضينا عنه). ولا شك أن قلوبنا مليئة بالحزن وبالأسى فهؤلاء هم إخواننا وأحبابنا ورفقاؤنا الذين يتمني كل واحد منا أن يفديهم بدمه والله وبفضل الله وبمنة الله عز وجل لا يجمعنا معهم الا الذي قدموا دماءهم من أجله:انها(لا إله إلا الله محمد رسول الله).

فهؤلاء هم أحياء كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ) الله عز وجل لم يرض لهؤلاء أن يُوصفوا بصفة الموت أن يقال لهم أموات،بل هم أحياء عند الله عز وجل يُرزقون وفرحين بما آتاهم الله سبحانه وتعالى من فضله،فعن مسروق رضي الله تعالى عنه قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً) والحديث في صحيح مسلم, قال: إنا قد سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح من الجنة حيث شاءت)،فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا: وأي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ فكرر الله سبحانه وتعالى عليهم ذلك ثلاثاً، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا أو من أن يُسألوا قالوا – ماذا تمنوا ما الذي تمنوه ؟ قالوا يا رب نتمنى أن تردنا إلى الدنيا فنُقتل فيك مرة أخرى، فلما رأى أن لا حاجة لهم تُرِكوا.هؤلاء تركوا ديارهم وتركوا أوطانهم وتركوا أهليهم وتركوا آباءهم وأُمهاتهم وإخوانهم وجاؤوا إلى هذه الأرض البعيدة النائية ما الذي يريدونه من مجيئهم ؟هل جاؤوا يركضون وراء دنيا فانية كما يركض وراءها الآلاف من الناس من المسلمين وغيرهم؟هل جاؤوا يطلبون شهرة أو سمعة أو جاهاً ؟هل جاؤوا ليُفسِدوا في الأرض كما يصفهم المجرمون ؟هم جاؤوا لأمرٍ واحد، جاؤوا لأجل أن يُقتلوا في سبيل الله،ولِأن تحيا عقيدتهم ويحيا دينهم وتحيا شريعة ربهم بهذه الدماء التي تفوح بالمسك،هذه الدماء أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم قال بأنها ستأتي يوم القيامة وهي تفوح بالمسك فها نحن نشمها في الدنيا آية من آيات الله عز وجل وكرامة لهؤلاء وتثبيتاً لمن وراءهم من المجاهدين حتى يعلم الجميع أن هؤلاء هم أطهر الناس وأزكى الناس وأصدق الناس وأحب الناس إلى الله عز وجل نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله عز وجل.هؤلاء إخواننا كانوا يعيشون بيننا،هؤلاء إخواننا قدموا وأدوا ما عليهم فما عليكم إلا أن تستلموا الراية وأن تأخذوا الأمانة بقوة وأن لا تُفرطوا فيها وأن تقولوا بقُلوبكم ومنهجكم وألسنتكم إننا لن نستسلم ولن نتراجع ولن نتهاون حتى نأخذ بثأر هؤلاء أو أن يكون مصيرنا كمصيرهم،قال الله سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء) هم أحياء لماذا؟ لأنهم قدموا كل ما يملكون وأغلى ما يملكون من أجل أن يحيا دينهم،هم أحياء لماذا؟ لأنهم استجابوا لله وللرسول لما دعاهم لما يحييهم،لما دعاهم للجهاد وللتضحية وللبذل ولإقامة دين الله سبحانه وتعالى قدموا نفوسهم.

فعلينا أن نثبت على هذا الطريق وها هو الله سبحانه وتعالى يُريكم معيته لكم ويُريكم آياته ومعجزاته وكراماته حتى تعلموا أنكم على الحق وأنكم على الهدى والصراط المستقيم ثم لا تعبؤون بعد ذلك بما يقول مرجف أو مُثبّط أو مُخذِّل ألهته دنياه وألهاه هواه وطمس الله على قلبه وعلى بصيرته،نسأل الله العلي العظيم الكبير الجليل أن يرفع درجاتهم في جنات النعيم،نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم من سكان الفردوس الأعلى،نسأل الله عز وجل أن يكونوا في هذه اللحظة يتقلبون في النعيم،نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكونوا ممن قال الله عز وجل فيهم: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً)،نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُثبِّتنا على الحق والهدى الذي قُتِلوا من أجله،نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا أجرهم وأن لا يفتننا بعدهم وأن يُثيبهم خير ثواب وإننا نُشهد الله وملائكته وحملة عرشه وخلائقه أجمعين أنهم كانوا من خيرة المُضحين ومن خيرة الباذلين لنفوسهم المؤثرين لكل ما يملكون، الذين يُقدمون ما يحب إخوانهم على ما يحبون هم،نسأل الله عز وجل أن يرفع قدرهم،ونسأل الله العلي العظيم أن يُسكنهم الفردوس الأعلى،هذا هو ديننا وهذه هي عقيدتنا وهذا هو الذي يجمعنا بإخواننا عليها نوالي ومن أجلها نعادي أحب ذلك من أحب وكره ذلك من كره.

تهون الحياة ..وكلٌ يهون

ولكنَّ إسلامَنا لا يهــــــــــــون
نضحي له بالعزيز الكريم

ومن أجله نستحب المنون

إذا ما أرادوا لنا أن نحيد

عن النهج قلنا لهم مستحيل
كذا شرعنا من إله جليل

و إنا به دائما ..مؤمنــــــون

إلى الدين .. فالموت أولى بنا

فلسنا نفرطُ في ديننــــــــــا
فيا ظلمة الشر نحن السنا

على رغم ما يمكر الماكرون

هو الدين عصمتنا في الحياة

وليس لنا من سبيل ســـواه
به مجدنا نرتقي في علاه

وفي عزه أبدا.. لن نهـــــون

على العهد يا سيد المرسلين

بعزم قوي وبأس متـــــــــــــين
سنمضي وراءك مر السنين

بلا رجعة وليكن ما يكون

 

 

الباب الرابع

الشيخ المجاهد

 

من منا لا يتذكر فارس المسيرية (دودي كبيرة) الشيخ الطاعن في السن الذي طلب أمام الجميع في متحرك راجا من السيد الرئيس أن يعطيه حصان ليعلم هؤلاء المتمردين درساً ولقي ربه شهيدا،هذا الشهيد الذي ينتسب الي قبيلة المسيرية التي تعود جذورها إلى قبيلة جهينة العربية،وهى قبيلةبدوية،تفخربعروبتها،وترعى الأبقار،وتتواجد بشكل رئيسى فى الجزء الغربى من جنوب كردفان ومدن بابنوسة والمجلد والفولة ولقاوة ، وحسب روايات التاريخ المتناقلة عند أبناء المسيرية،فإن القبيلة جاءت إلى السودان من تونس أى من الغرب مرورا بتشاد وغيرها من الدول،وذلك بحثا عن المرعى الجيد والمناطق الآمنة،وقد أثرت القبيلة وتأثرت بالقبائل الموجودة فى المنطقة،رغم إعتزازها الشديد بعروبتها وإفتخارها بذلك،ولاتزال القبيلة تحتفظ حتى الآن بالكثير من العادات العربية الأصيلة مثل ركوب الخيل وغيرها،وهى كذلك دائمة الرحيل، ويتوقف إحلال السلام فى السودان الآن إلى حد كبير على قبيلة المسيرية التى تسكن مع قبيلة (دينكا انقوك) فى منطقة أبيى الغنية بالبترول المتنازع عليها بين الشمال والجنوب،وهي الان نموذجا مصغرا لمشكلات السودان وحلها يعد أمرا مفتاحيا للسلام فى السودان كله .

بزغ فجر الثلاثين من (يونيو) وأقبل أهل (الوجعة) من فرسان المسيرية أبكار المجاهدين على حمل السلاح والدفاع عن النفس والمال قبل الدفاع عن نظام لم يعرفوا شيئاً عن وجهته،وكانت نواة الدفاع الشعبي في كردفان مئات المقاتلين الذين صعدت أرواحهم لدار الخلود.. ولا يزال البعض منهم ينتظر،وكغيرها من القبائل العربية في السودان فالعزة والإباء والشجاعة ونجدة الضعيف هى من الشيم البارزة لدى قبيلة المسيرية ولأنها من القبائل المحاربة بحكم موقعها المميز فى ذلك الزمن الذى كان فيه البقاء للأقوى وبحكم احتكاكاتهم مع غيرهم من القبائل،انعكس ذلك فى حياتهم العامة وفى طبائعهم فلا تكاد تخلو عادة من عاداتهم من مظهر من مظاهر الشجاعة والقوة،ولها عند المسيرية تاريخ ضارب فى القدم،يتوارثها الأبناء والأحفاد من النظار والعمد والمشايخ،ويتفنن المسيرية فى استعراض الفرسان بخيولهم امام الحشود المجتمعه،ويتبارون فى ابراز قوتهم وهم مشحونون بصهيل الخيل وزغاريد النساء،وفي جهاد اهل (دودي كبيرة) معاني ومغازٍ،فهم لايخشون الموت،بل يجابهونه وصدورهم مفتوحة:

منو العندو حد مبارى حدودنا
ومنو فى ملاقاة الحنيك جدو لاقى جدودنا
نحنا للحبيب نبذل كل موجودنا
ونحن الموت فضلتو ومنو نادر عودنا

والشهادة في سبيل الوطن عندهم حياة لا تعرف الموت،إنها خلود،في جوهرها تكمن أسمى معاني التضحية والفداء والحب،فالحديث عن التضحية والشهادة هو الحديث عن الوطن وكيفية تجسيد عشقه واقعاً ملموساً من خلال تقديم الروح في سبيل طهارته وقداسته وبقائه منيعاً حراً يشمخ بدماء أبناء المسيرية الشهداء الأبرار عبر التاريخ،‏‏‏ فكانوا قبساً من نور أضاء دروب الأجيال فأعطاها درساً في حب الوطن، فالشهادة كانت ولا تزال السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة كل أشكال العدوان والتآمر عند المسيرىة، فالشهداء بدمائهم يحبطون كل ما يخطط له الأعداء من مكائد ومؤامرات،ويبقي التاريخ يذكر لشهداء المسيرية مآثرهم العظمى في افتداء حياة الأمة ومستقبلها بأرواحهم،لانهم قد اختاروا حياة الخلود السرمدي، وبالرغم من مرور السنين ما تزال معارك آل(دودي كبيرة) وجهادهم منارة وطنية لأن أسمى مراتب البذل والعطاء في حياة الإنسان هي التضحية بالنفس من أجل الوطن،ولهذا كان شهداء بحر العرب عامة على مرِّ الأزمان شعلة مضيئة لأنهم كتبوا بدمائهم الطاهرة أروع قصص البطولة والمجد دفاعاً عن ثرى وطنهم.. فالوطن لا يعلو عليه شيء، فكانت دماؤهم الزكية أسطراً من نور لأروع الملاحم التي نعتز بها جميعاً، فتاريخ غرب كردفان عبارة عن سلسلة طويلة ومتلاحقة من قوافل الشهداء الذين افتدوا أرضها وقدموا أنفسهم وأرواحهم رخيصة،لان ارضهم ما زالت تتعرض لأكبر للمؤامرات للنيل من أمنها واستقرارها،فكانت قوافل الشهداء التي روت تراب وطننا في مواجهة عصابات الغدر والحقد والخيانة عصابات الإجرام، هذه الدماء الطاهرة من لدن(دودي كبيرة) ورفاقه الميامين أعطت للوطن قوة ومنعة وأزهرت مزيداً من الإرادة والعزيمة والإصرار.. لقد استعذب أبناء المسيرية الموت لتحيا أمتهم وقدموا التضحيات الكبيرة من أجل الارض،لتنعم الأجيال اللاحقة بحياة عزيزة كريمة،ومهما تعددت أشكال الاستعمار وألوانه وأساليبه سيبقى صون الحرية مدوياً، ففرسان قبائل المسيرية هم العين الساهرة على صون كرامة وعزة الوطن والدفاع عن شرفه،وستبقى أرواح شهدائهم أنشودة نتغنى بها على الدوام.. وسنبقى مدينين للشهداء الذين استشهدوا من أجلنا،من أجل أن نعيش بكرامة،وسننحني إجلالاً وإكباراً لأرواحهم الطاهرة على الدوام..

قال تعالى :ـ (لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)
وقال جل وعلا :ـ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ , تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) صدق الله العلي العظيم
وقال أمير المؤمنين:(الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِباسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ البَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءُ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاْسْهَابِ، وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الجِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ).
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداًفإنما الربح والخسران في العملِ

لم يكلف الله تعالى الناس هذا الدين لإنزال الحرج بهم ،أو تحميلهم مالا يطيقون من الأعمال،بل كلفهم الله هذا الدين رحمة بهم،ولإتمام نعمته عليهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور،كما قال تعالى:(ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) (المائدة 6 )وقال تعالى : (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة(257)، فالجهاد معناه بذل الجهد والطاقة،فما لم يكن داخلا في جهد الإنسان وطاقته ووسعه لا يكلفه الله إياه،وقد نفى الله عن المؤمنين الحرج في سياق أمرهم بالجهاد بمعناه الشامل الذي يتضمن كل أنواعه ، كما قال تعالى:(وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج 78 ) ،وكل نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله فيه حرج،على الفرد أو الأمة، فإن تكليفهم إياه منتف عنهم ،قال تعالى :(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وسبق القول  أن الجهاد فرض كفاية،وقد يكون فرض عين في بعض الأحوال،وهناك أعذار تسقط عن صاحبها وجوب مباشرة الجهاد،سواء كان النفير عاما أم لا،وأعذار أخرى تسقطه إذا لم يكن فرض عين،أما الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد فمنها الضعف، والمرض،وعدم الراحلة والمال أو أحداهما،ومما عذر الله تعالى به عبده المؤمن عن الخروج للجهاد في سبيل الله،فقدُه القدرة على ذلك،سبب ضعف في بدنه،وشيخوخة،ونحوها،مما لا يقدر معه على مباشرة الجهاد ،قال تعالى:(ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) (التوبة 91-92 )، ولما قال عليه الصلاة والسلام :(لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية، ولكن لا أجد حمولة،ولا أجد ما أحملهم عليه،ويشق علي أن يتخلفوا عني)،لم يستغل الشهيد(دودي كبيرة)هذه الرخصة،في البقاء مع الخوالف،فلم يحسب حسابا للسن ولا للمشقة،بل امتطي حسامه وركب خيله،ولم يترك هيعة الا وذهب اليها،نفرا في سبيل غاية الشهادة التي كان يؤمن بها ايما ايمان،وقد اصطفاه الله لها،فذهب ليرفل في نعيم الجنان مع الصديقين والشهداء.

وشهيدنا (دودي كبيرة) كان كبير السن،لكن في فقه الشهيد فإن الجهاد ليس له حدود زمنية في مسيرة أعمار المجاهدين،بل العمر كله باعوه لله ونذروه لإعلاء كلمته،وحتى الموانع ذات الاعتبارات الشرعية التي تحول شرعاً دون مشاركة البعض في القتال لم تكن لتجد طريقها إلى روحه المجاهدة،فهو من غضوا الطرف عن الرخصة،وتعالت همته عنها،وعن العذر،ورفض لتلك الجذوة الجهادية المتوقدة ان تضعف في نفسه،فإذ هو يستجيب لمنادي الجهاد مستنفراً مع المجاهدين خفافاً وثقالاً رجالاً وركباناً شيباً وشباباً نساءً وصغاراً ولا يعذرون أنفسهم على الرغم من معذرة الله لهم .

وهذه الصفة تأخذنا بالمنشأ الذي جاء منه،وكما اشرنا فقد جاء من المسيرية الجهينية الذين يأخذون أنفسهم بالعزائم ويركبون دروب الشدة والمشقة وها هو التاريخ يحدثنا عن تلك القلة من المجاهدين فيروي لنا عنهم أرفع ملاحم البطولة والتضحية والاستبسال وقد سجلت الوقائع الثابتة نماذج مضيئة ومشرقة من جهاد الصادقين المخلصين من أصحاب الاعذار الذين رفع الله عنهم الحرج والتكليف فأبوا إلا أن يحملوا مع إخوانهم في منظومة العقد الجهادي الفريد أمانة التكليف.

 

الشهيد (عبدالله دودي) تقدم الى جنات الخلود وتجند مجاهداً وشيخاً كبيراًمؤذناً للجماعة،وخادماً لهم وفارساً،وعمره واحد وسبعون عاماً،وكان كبير مثله رق عظمه وكبرت سنه وضعفت قوته في مثل هذا العمر لا يجد المرء في نفسه جلداً ولا قوة بل يلزم الفراش ويخلد طائعاً أو مكرهاً الى الراحة – لكن رجالات الجهاد لم يكونوا هكذا بل كانوا من رعيل مختلف تماماً فالعمر مهما تقدم بهم،لم يكن ليقعدهم عن الجهاد اوالمشاركة في شرف الجهاد،وفي السودان النماذج كثيرة منهم علي سبيل المثال الشيخ المجاهد سليمان طه،والشيخ صبيرة،وغيرهم كثر.

 

والشهيد (دودي كبيرة) من جماعة أسست لمحاربة الأعداء،وكانت تسمى اللجنة الميدانية لرد العدوان عندما استفحل التمرد 1983م ومعه اخوان كرام،حيث هبوا للدفاع عن الحرمات التي وردت في في الشريعة الإسلامية السمحاء وتتطلب الدفاع عنها وبذل المقل والارواح في سبيلها:حرمة الدم،وحرمة العرض،وحرمة المال ،وهذه الحرمات أوردها الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في خطبة حجة الوداع فيما رواه الشيخان:(فإن دماءكم وأموالكم،وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا،في شهركم هذا،في بلدكم هذا فليبلغ الشاهد الغائب)،فالحديث النبوي الشريف قد بين الحرمات،وعددأصنافها،فكانت الدماء والأعراض والأموال فجعلها حرام على المسلمين و حرمتها كحرمة الشهر الحرام،وبعد أن بين الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) أصنافها،وحكمها أمر من سمع هذا الحكم أن يبلغه لشدة حرمته،وخطورته على حياة المسلمين و مجتمعهم،فكان الشهيد(دودي كبيرة)  كما تقول الآية الكريمة (ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر وما بدلوا تبديلا) صدق الله العظيم (الاحزاب 23).

فقد كانوا حريصون على خوض المعارك والمشاركة في هذا الفضل وهم يطمعون من وراء ذلك كله ان يختم الله لهم بالشهادة فهم يبحثون عن الموت تحت ظلال السيوف،وفوهات البنادق ويستبقون له الخطى للظفر بأمنية النفس ويا لها من أمنية،والشهيد كان كالشيخ المجاهد الصحابي ابو طلحة رضي الله عنه ينافح عن دينه ويدافع عن عقيدته كذلك فعل أبو خيثمة رضي الله عنه الذي لم يكن اقل حرصاً على الشهادة من ابي طلحة ولم يحل بينه وبين الخروج في موكب لجهاد كبر سنه ولا ضعف قوته ،وكان خيثمة أبو سعد بن خيثمة ممّن قاتل بين يدي رسول اللّه (ص) في اُحُد ونال الشهادة، فقد أشار على رسول اللّه (ص) بالخروج من المدينة لمجابهة قريش والتعرّض للنصر أو الشهادة قائلاً:(لقد بلغ من حرصي على الشهادة أن ساهمت ابني في الخروج إلى بدر فخرج سهمه،فرزق الشهادة، وقد رأيته البارحة في النوم وهو في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنّة وأنهارها، ويقول لي: ألحق بنا ترافقنا في الجنّة، وقد كبرت سنّي، ورقّ عظمي، وأحببت لقاء ربّي، فادع اللّه أن يرزقني الشهادة) فدعا له رسول اللّه (ص) بذلك، فقاتل بين يديه حتى قتل باُحد شهيداً.

 

أي روح تـعـــــتـلـي فــــــــوق الـــســمـاء
أي روح ذات نـــــــــور وصــــــــــــفـاء
أي روح ترتــــــدي ثــــــوب الـعـــــــــلاء
أي روح أعــــلـنـت صـــدق الـــــــولاء
إنهــــــــــا روح الــشـــــــــهــيد
صـاحــب الــعـزم الــوطـــيد
وهــو ذو الـبـــأس الــشــــديد
صــانــــع المجـــــــد الـتـــــــلـيد
إنــــــــه رمــز الــفــــــــــــداء
شــامخـــا يـعـــــــلي الـلــــــــواء

* * *

إنــــه الـصــــنـديــد مــا هـــــاب الــــردى
لا ولا هــــاب الــتـــحـدي والـعــــــــدا
إنـــــــه رام الـــــــــعــــــــلا والـــســـــؤددا
يــــا شـــــعـاعـا قـــــد أنــــــار الــفرقـــــدا
يــــا حــــبـيـب الأنـــــــــــبـيـاء
يــــا نـــــصــيـر الأبــر يـــــــاء
يــــا نـــــــــقــاء الأوفـــــــــــياء
يـــا ســـلـــــيـل الــشـــــــرفـاء
أنـت مـــســــك مــن دمـــــاء
أنـت فـــرع في الــســــــمـاء

* * *
يا شــــهـيـدا أنـت مــــــلاك الهــــــــــــمم
ثـــــــابـت الــــــعـزم ور اع لـلـــــــــذمم
يـــا حـــــــلـيـفـا لـلـمـــــــعـالي والـــكرم
قـــد سمـت في روحـه جـل الــقـيم
مجــــــده ز اهــي الــبــــــيــان
روحــــه نــفــــــح الجـــــــنـان
ذكـره يــنــــدي الـلـــســان
يــا نــشـــــــــيـدا لـلــــزمـــــــان
أنــت يـنـبـــــوع الــــــســـخــاء
بــاذلا فـــــيـــض الـــعــــــطـاء

* * *

يـا شـــــهـيـدا شـــق أمـــــواج الـفـــــــــــتن
في كـــفـاح بـالــتــــــحـدي مر تهــن
قــد طــوى في جرحـــه كـل المحــن
قــــلـبـه قـــــد هــام في حـــب الــوطـن
ظـــــل نجـــــــمـا ثـاقــــــــــــبـا
كـي يـنــــــيـر الـغـيــــهـبـا
ذا شمـــــــــــــوخ و إبــــــــــــــــا
شمــــســـه لـــن تــــــــغــر بـــا
أنـت يــــا خــــــير انـــــــتــمـاء
دأبـــــه حــــســن الــبـــــــــلاء

* * *

جرحـــه الـفــــواح قــــــد روى الـثرى
فـــــــــغــدا روضـــــا نــــــديــا أزهــــرا
مــعــــــجـزات تـــــــــــتــوالى لـلـــــــــــورى
خـالـــــدات فـــوق هـامـات الــــــذرى
عـزمــــــه حــــــبـل مــتـــــــــين
لـلـــعــــدى لــن يــســتـكـين
فــــهــو رمـز الــثـــــــائر يــــن
وهــــــو نـــــــور لـلـــيـقـــــــــين
أنـت ســـــلــطـان الــوفــــــــــاء
يــا شــــــعــار الــبــــــســــلاء

* * *

في حـــنـايـا الـلــــيـل مـا ضـل الـطر يــق
جـــاعـــلا مـن هـــديــه أوفى صـديـــــق
إنـــه مـن جــــوهر المــــســك الـفـــــتـيـق
ذو نـبــــــوغ وهــــو مـــن أصـــل عر يــق
ســل مـعــار يـــــج الــســمـاء
عــــن دمــــــاء الـــــشـــــهــداء
فـــــهــي مـــســـك وذكــاء
ووســــــــــام لــلــــــــــــــــــولاء
وهـــي ســــــفر لــلــــــــفـداء
وهـــي ز اد الأ تــقــــــــــيـاء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الخامس

همة الشهيد

الهمة:هي الباعث على الفعل،وتوصف بعلو أو سفول..قال أحد الصالحين: همتك فاحفظها، فإن الهمة مقدمة الأشياء،فمن صلحت له همته وصدق فيها،صلح له ما وراء ذلك من الأعمال،والهمة محلها القلب،والهمة عمل قلبي،والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه،وكما أن الطائر يطير بجناحيه ،كذلك يطير المرء بهمته،فتحلق به إلى أعلى الآفاق، طليقةً من القيود التي تكبل الأجساد..

 

إن يَسْلُب القوم العِدا مُلْكِي وتُسْلِمني الجموعْ

فالقلب بين ضُلُوعِهِ لم تُسْلِمِ القلبَ الضلوعْ

 

وذو الهمة إن حُطَّ، فنفسه تأبى إلا عُلُوّاً، كالشعلة ِ من النار يُصَوِّبُها صاحبها،وتأبى إلا ارتفاعا ،وهمَّة المؤمن أبلغ من عمله،وقد قال(ص) من همَّ بحسنة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وقال (ص): (من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) ،وقال (ص) فيمن تجهز للجهاد، ثم أدركه الموت: ( قد أوقع الله أجره على قدر نيته)،وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية كما بيَّن ذلك الصادق المصدوق  (ص)  في قوله:(سبق درهم مائة ألف)، قالوا: يا رسول الله ، كيف يسبق درهم مائة ألف ؟! ،قال (رجل كان له درهمان ، فأخذ أحدهما ، فتصدق به ، وآخر له مال كثير ،فأخذ من عَرْضها مائة ألف )

يا عالي الهمَّة..

بقَدْر ما تَتَعنَّى

تنالُ ما تتمنَّى

إن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته،وتحقيق بغيته،لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره،وأن المصالح والخيرات،و اللذات،والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب :

 

بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها

تُنال إلا على جسر من التعب

فقل لِمُرَجِّي معالي الأمور

بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا

أحزان قلبي لا تزول

حتى أبشر بالقبول

وأرى كتابي باليمين

وتُسَرَّ عيني بالرسول

****

عالي الهمة يُرى منطلقاً بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التي حددها على بصيرة وعلم،فيقتحم الأهوال، ويستهين الصعاب ..

 

ذريني أنل ما لا يُنال من العُلا

فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة

ولا بُدَّ دون الشَّهْدِ من إبر النحْلِ

****

من أراد الجنة سلعةَ الله الغالية لم يلتفت إلى لوم لائم، ولا عذل عاذل، ومضى يكدح في السعي لها،وهكذا كان الشهيد (دودي كبيرة)،ممتثلا لقوله تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) وقال  (ص) : (من خاف أدلج،ومن أدلج بلغ المنزل،ألا إن سلعة الله غالية،ألا إن سلعة الله الجنة)،وكبير الهمة لا ينقُضُ عَزْمه،قال تعالى:(فإذا عزمت فتوكل على الله)،وكبير الهمة يندم على ساعة مرت به في الدنيا لم يعمرها بذكر الله عز وجل واتباع سنن نبيه (ص)، وشهيدنا كان ديدنه : يا كبير الهمة : لا يضرك التفرد،فإن طرق العلاء قليلة الإيناس،فعالي الهمة ترقى في مدارج الكمال بحيث صار لا يأبه بقلة السالكين، ووحشة الطريق لأنه يحصل مع كل مرتبة يرتقي إليها من الأنس بالله ما يزيل هذه الوحشة ، و إلا انقطع به السبيل ..وعالي الهمة لا يرضى بالدون ولا يرضيه إلا معالي الأمور،وهويعلم أنه إذا لم يزد شيئا في الدنيا فسوف يكون زائدا عليها ، ومن ثم فهو لا يرضى بأن يحتل هامش الحياة ، بل لابد أن يكون في صلبها ومتنها عضوا مؤثرا:

 

إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يدا

ولم أقتبس علما فما هو من عمري

 

إن كبير الهمة نوع من البشر تتحدى همته ما يراه مستحيلا،وينجز ما ينوء به العصبة أولو القوة ،ويقتحم الصعاب والأهوال لا يلوي على شيء،له همم لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى أجل من الدهروهم في الناس ثلة من الأولين،وقليل من الآخرين،وقد كانوا إذا عدوا قليلا فقد صاروا أعز من القليل،وعالي الهمة لا يرضى بما دون الجنة، لا يعتد بما له فناء،ولا يرضى بحياة مستعارة، ولا بقُنيةٍ مستردة،بل همه قنية مؤبدة،وحياة مخلدة فهو لا يزال يحلق في سماء المعالي،ولاينتهي تحليقه دون عليين،فهي غايته العظمى،وهمه الأسمى..يعرف قدر نفسه،في غير كبر،ولا عجب ولا غرور،وإذا عرف المرء قدر نفسه،صانها عن الرذائل،وحفظها من أن تهان،ونزهها عن دنايا الأمور،وسفاسفها في السر والعلن،وجنبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق أو يضعها فيما لا يليق بقدرها،فتبقى نفسه في حصن حصين وعز منيع لا تعطى الدنية،و لا ترضى بالنقص، ولا تقنع بالدون..وهوعصامي يبني مجده بشرف نفسه،لا اتكالا على حسبه ونسبه،و لا يضيره ألا يكون ذا نسب،فحسبه همته شرفا ونسبا،فإن ضم كبر الهمة إلى نسب كان كعقد علق على جيد حسناء (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وهم أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف الرجال في مواطن البأس والجلد والعزيمة والثبات على الطاعة،والقوة في دين الله،و( فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين) و(يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة) و(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظروما بدلواتبديلا) ومنها:أنه سبحانه أمر المؤمنين بالهمة العالية، والتنافس في الخيرات (فاستبقوا الخيرات)،والسنة الشريفة فمليئة بالكثير من الصور..قال (ص): (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها )وقال  (ص)  لأصحابه:( إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها)،وقال(ص):(إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس،فإنه أوسط الجنة،وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن،ومنه تفجر أنهار الجنة)وإن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل :

 

واحسرتاه تقضى العمر وانصرمت

ساعاته بين ذل العجز والكسل

والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ساروا

إلى المطلب الأعلى على مهل

 

لقد حفل التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه بنماذج رائعة من المهتدين الذين ارتفعت همتهم في البحث عن الدين الحق،وبذلوا في سبيل ذلك النفس والنفيس،فصاروا مضرب الأمثال،وحجة لله على خلقه أن من انطلق باحثا عن الحق مخلصا لله تعالى،فإن الله عز وجل يهديه إليه، ويمن عليه بأعظم نعمة في الوجود نعمة الإسلام، ونحسب ان شيخنا الشهيد (دودي كبيرة) من اولئك المهتدين.

إن المتأمل لقوائم عظماء رجالات الإسلام من الرعيل الأول ومن بعدهم ليرى أن علو الهمة هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام،واعتز بهم الإسلام، ووقفوا حياتهم لحراسة الملة وخدمة الأمة سواء كانوا علماء أو دعاة أو مجددين أو مجاهدين أو مربين أو عباد صالحين ولو لم يتحلوا بعلو الهمة لما كان لهم موضع في قوائم العظماء ولما تربعوا في قلوب أبناء ملتهم،ولما تزينت بذكرهم صحائف التاريخ ولاجعل الله لهم لسان صدق في الآخرين ..وكذلك الشجعان في أمته والأبطال لا يحصون عدة،ولا يحاط بهم كثرة،سيماأصحابه المؤيدين الممدوحين في التنزيل،إن سقوط الهمم وخساستها حليف الهوان،وقرين الذل والصغار،وشجرة الغفلة تُسقى بماء الجهل الذي هو عدو الفضائل كلها،فأصحاب الهمة العالية هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى،و يبدلون أفكار العالــــم ، ويغيـــرون مجرى الحيــــاة ، بجهادهم وتضحياتهم، ومن ثَمَّ فهم القلة التي تنقذ الموقف، وهم الصفوة التي تباشر مهمة  الانتشال السريع  من وحل الوهن، و وهدة الإحباط.

هذا زمان لا توسُّط عنده

يبغي المغامر عالياً وجليلا

كن سابقاً فيه أو ابق بمعزلٍ

ليس التوسط للنبوغ سبيلا

في جنان الخلد يمشي .. هانئ النفس رضيا
كان في الدنيا شجاعا .. ثابت الخطو أبيا
لم يكن يخشى كفورا .. أو ظلوما أو شقيا
لم يكن يرضى بذل .. منذ أن كان تقيا
إنما يرضى بذل .. كل من كان عصيا
عاهد الرحمن يوما .. منذ أن كان صبيا
أن يعيش العمر دوما .. طاهرا حرا نقيا
في حمى الرحمن يمضي .. عزمه كان فتيا
عيشه كان جهادا .. ثم حبا أخويا
في كتاب الله يتلو .. خاشع القلب شجيا
مع شباب لم يراؤوا .. كلهم كان زكيا
كان يرجو أن ينال .. الخلد خلدا أبديا
فلقد ضحى بروح .. للفدا كان حريا
و لقد أوفى بعهد .. إنه كان وفيا
 

الباب السادس

قبس الشهادة

 

على الرغم من أن الله تعالى عذر عباده المؤمنين الذين قد تحول الأعذار بينهم وبين مباشرة الجهاد إلا بمشقة ، ككبار السن وصغار السن أو بعض ذوي العاهات، فإن نفوس أهل الإيمان العميق الحيّ المتحرك الصادق لم ترض بالتخلف عن الجهاد،بل لقد كان الشيخ الكبير السن،الأعرج الذي عذره الله ينافس أبناءه الشبان الأقوياء على الخروج للجهاد في سبيل الله حرصاً على أن ينال الشهادة ويدخل الجنة،كما في سيرة ابن هشام : (أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا له : إن الله عز وجل قد عذرك ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :(إن بَنِيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هده في الجنة) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(أما أنت فقد عذرك الله ، فلا جهاد عليك) وقال لبنيه:(ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة ، فخرج معه فقتل يوم أحد).

 

أرقت من طول هم بات يعرونى

يثير من لاعج الذكرى ويشجونى
منيت نفسى آمالا يماطلنى

بها زمانى من حين الى حين
ألقى بصبرى جسام الحادثات

ولى عزم أصد به ما قد يلاقينى
ولا أتوق لحال لا تلائمها حالى

ولا منزل اللذات يلهينى
ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت

إلا الذى بجميل الذكر يرضينى
وكيف أقبل أسباب الهوان

ولى آباء صدق من الغر الميامين
النازلين على حكم العلا أبداً

من زينوا الكون منهم أى تزيين
من كل أروع فى أكتاده لبد كالليث

والليث لا يغضى على هون

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ (التوبة:111).

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران:169-171).

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمْن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾( البقرة:154).

ويقول: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾(محمد: 4-6).

وقال تعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23) فمنهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى استشهد، ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدلوا عهدهم ونذرهم،فقد تولّى الله هؤلاء الرجال بالصدق في أقوالهم وأحوالهم و صدق الحال بالشهادة أقصى الغاية في الوفاء لأنه شديد على النفس.

وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾(النساء: 69). وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾(الزمر: 69)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد:19).لقد بيّن الله سبحانه وتعالى منزلة الشهداء إذ جعلها برفقة النبيين والصديقين لأن الشهداء أدى بهم حرصهم على الطاعة،والجهد في إظهار الحق أن بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله ولذلك جعل الله مكانتهم في الجنة مع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

والشهادة اصطفاء من الله وفهم لسرّ الحياة ..قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾(آل عمران: من الآية140) أي يكرمكم بالشهادة. ومن عاشر الشهداء قبل اصطفائهم سيجد أن هناك إرهاصات للارتقاء وللصعود ولاعتلاء كرسي الشهادة فتجدهم في اللحظات الأخيرة على طهارة خالصة في أحاديثهم وفي حركاتهم وفي سكناتهم وفي الأريج المتدفق من ساحاتهم في التعليقات الأخيرة لهم والتي تمتلئ صدقا وحقيقة،والشهداء سادة هذا العالم لأن المولى عز وجل اختارهم واصطفاهم دون غيرهم عن هذا البحر الهائج من البشر فهم من فهموا سر هذا اللغز الذي نحياه ويصيب معظمنا بالحيرة هم من توصلوا للحقيقة (اطلب الموت توهب لك الحياة)، ومَن قُتِل دون مَظْلَمته فهو شهيد،فالجهاد قد فرضه الله على كل قادر دفاعاً عن المقدَّسات والحرمات، وعن العقيدة والمبدأ،وعن الحِمَى والوطن،ولقد قال رسول الله (ص): (من قتل دون ماله فهو شهيد،ومن قتل دون أهله فهو شهيد،ومن قتل دون دينه فهو شهيد،ومن قتل دون دمه فهو شهيد) أخرجه أبو داوود والنسائي. وقال (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) والشهيد يعيش معاني النصر ويسمو بوعد الله،ودماء الشهداء كانت دائماً وقوداً لحركات الجهاد والمقاومة والتحرير، ونوراً يضيء الطريق في غياهب الظلمات. وعندما تكون المعركة التي استشهد فيها تدور بين من لا يملك من عناصر القوة المادية إلا نفسه،وبين قوّة عسكرية مدعومة بأشرس قوة عالمية،فهنا تشمخ الشهادةُ بالشهيد،وتتنزّل الملائكة من كلّ حدب وصوب لاصطحاب الروح الطيبة العملاقة في معراجها من قمّة الأرض إلى قمّة السماء،والشهيد يحيا معاني النصر وهو على طريق الشهادة واصطفاء الله له بها فيشعر بوعد الله الذي لا يتخلّف:﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم..﴾،﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم..﴾،﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين..﴾،ويشعر أنه جدير بالانتماء لهذه الأمّة المباركة:﴿خير أمّة أخرجت للناس﴾.

ولئن فاتت الشهيد(دودي كبيرة) مظاهر النصر النهائي،فلقد عاش بشائر النصر وعلاماته،كأنه يراه أمامه رأي العين،وهو لم يغب عنه لحظة واحدة،وإذا كانت النفوس كباراً.. تعبت في مرادها الأجسام.. وعندما يستشعر المؤمن روح الجهاد يمضي على هداية الله وإرشاده فقال: ﴿والذينَ جاهدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾،ومن أسباب النصر استشعار روح الإقدام على الاستشهاد؛لأن الشهادة قمة الجهاد؛ولأن المجاهدين إذا وضعوا أرواحهم على أَكُفِّهِمْ،واستعدوا حقًّا لبذْلِها في سبيل ربِّهم، صاروا قوَّة لا يغلبُها عدوٌّ، والله ـ جل جلاله ـ قد وعد هؤلاء الشهداء خير الوعد، فقال:﴿ولا تَحْسَبَنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا بلْ أحياءٌ عِندَ ربهمْ يُرزقُونَ . فَرِحِينَ بما آتاهمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بالذينَ لم يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾،من هنا ندرك أهمية مشروع الشهادة في التمكين للمشروع الإسلامي وتحقيق النصر منطلقاً من تحرك شباب وشيوخ غرب كردفان بقيادة الشهيد(دودي كبيرة)في مقاومتهم للعدوان،من خلال عشقهم للشهادة الذي تربوا عليه ونهلوا منه قرآناً وسنة وسيرة للنبي (ص) وأصحابه. فلم يترددوا عندما دعاهم الواجب الجهادي ولم ينتظروا إذناً من أحد ولم ينظروا إلى انعدام تكافؤ القوى مع عدوهم، فنحن على يقين من أن مفهوم الشهادة في الإسلام يشكل أقوى وأعلى رافعة للمشروع الإسلامي وإذا كان البعض يحتار ويتساءل عن فحوى المشروع الذي يحمله الإسلاميون.. يكفي أن نقول له مشروعنا هو مشروع الشهادة الذي يجمع الأمة ويوحدها لمقاتلة أعداء الله،أما السياسة والحكم فهي تفاصيل في مشروعنا ووسيلة لتحقيق المقصد الأسمى وهو الفوز برضى الله بإحدى الحسنيين:النصر أو الشهادة.ففهمهم وجهرهم بمشروعهم الأساسي (الموت في سبيل الله أسمى أمانينا) وحده هوالذي اخرس كل أبواق الفتن والمزايدة في ارض غرب كردفان الغراء،مهد الشهادة وارض الشهداء.

والخلاصة هنا أن غير القادر على مباشرة الجهاد شرعاً أو طبعاً لا حرج عليه، بل له ثواب نيته وهو قاعد إذا حسنت نيته ونصح لله ورسوله ، وأن قوة الإيمان تنسي صاحب العذر عذره ، فيكلف نفسه الخروج والقتال طمعاً في الشهادة ونيل رضا الله ودخول جناته.

ويمكننا القول بان الشهيد (دودي كبيرة) رفض البقاء مع القواعد والخوالف من النساء والاطفال، واعتكف مرابطاً للجهاد في نفسه وقرر المضي فيه،وعندما حان موعد اللقاء،حمل على نفسه بما بها من ضعف بدني ووهن واعياء بعامل العمر وقاسها بمقياس الجنة وهناء العيش ورغده،ودود القبر وبكاء الأرامل،واستحضرت نفسه المجاهدة وروحه الوثابة قصة القائد الاسلامي الفذ (خالد بن الوليد) الذي مات على فراشه وكان يود لو أنه قتل في ميدان القتال شهيداً وقد قال وهو يموت:(لقد شهدت مائة ألف زحف وما في موضع جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم ولكني أموت اليوم على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء)،فهتفت نفس شهيدنا (دودي كبيرة) لا لا والله لا.ولحق بكتيبة الجهاد حيث كان له هناك ما تمناه لنفسه من شرف الشهادة التي خرج ينشدها ويستحث لها الخطى،ولم يكن له من عتاد المعركة من خيل،وهو المتعارف علي استخدامه في ذاك الزمان،وطلب من رئيس الجمهورية ان يوفر له ذلك،وكاني بالتاريخ يعيد سيرته الاولي، حين قال (انا اطلب منك بندق “بندقية” سلحني بها وانا ماشي الجهاد في شأن الله وعيالي في حجاك وفي حجا الله) في صورة تقارب صدر الاسلام الاول حينما تنزلت الاية:(ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ) سورة التوبة (92) هذه الآية العظيمة ..والموقف الخالد ..والصورة المؤثرة جداً.. يفيض في تأملها الدمع ..ويرق لها الطبع .. ويعمّ النّفع .. ومما يزيدها جمالاً وجلالاً أنها جاءت في سياق الجهاد والمجاهدين .. حيث تظهر النفوس على حقيقتها.. وتقوم الجوارح بوظيفتها .. وتتألق الارواح في ذروتها ..أيحزن الانسان أو يجزع أو يبكي أو يذرف الدمع إذ يتخلف عن القتال ؟! بين الأهل والظلال ؟ومعه عذر الحال والمال ؟؟ أي أمة هذه تتقن صناعة الموت ..تبحث عن الموت تعشق الشهادة . نعم والله(رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (المجادلة/22 ). شمرت الحرب عن ساقها..واقتربت ساعة الصفر..وبدأ جيش الموحدين اللجب بالزحف..السفر طويل والمسافة بعيدة ، فلا بد من الراحلة أيّاً كانت .. وتأتي مجموعة من الصحابة الكرام ذكروا بأسمائهم إلى القائد الحبيب صلوات الله وسلامه عليه، يطلبون دوابّ تحملهم وتقّلهم .فيكون الجواب (قلت لا أجد ما احملكم عليه) جواباً لمن سأل عن علّة توليهم وأعينهم فائضة دمعاً أظن أن ما سبق قد يعسر فهمه لذلك أضع أمامك الصورتين التاليتين وبضدّها تتميز أشياء : اولى : أنهم جاءوا بسبب ما من ضيق الحال ، يبكون تفيض أعينهم بالدمع ..وطلبوا من النبي أن يهيء لهم ما يحملهم عليه .الثانية : أنهم خرجوا من مجلس النبي وعيونهم تفيض من الدمع لما اخبرهم النبي أنه لا يجد ما يحملهم عليه . وبمثل هذه الروح عزّت كلمته ، فلننظر أين نحن من هؤلاء .. ولننظرأين روحنا من تلك العصبة،ثم لنطلب النصر إن استشعرنا في أنفسنا بعض هذه المشاعر .. ولحظة التحرك جاء شهيدنا على حصانه في موكب قائد المسيرة رئيس الجمهورية المجاهد عمر حسن أحمد البشير فهز عليه بيمنه وفيه سيف قاطع سلاح أبيض لا تحتاجه معركة ذاك الزمان،وظل يهز سيفه من ظهر الجواد وهو يقول:(ما تبقي لي من العمر ما يأخذني بجرعة ماء من الظمأ أنما صرت عله على نفسي وكبرت سني فيا السيد الرئيس اسمح لي بتعليم هؤلاء المتمردين درساً) ..فسلمه رئيس الجمهورية البندقية في يده وقال له (اذنت لك بالجهاد)،وهنا يعيد التاريخ ايضا سيرة الصحابي الجليل، عمير بن الحمام بن الجموح بن كعب الإنصارى،من بنى سلمة من الأنصار،من السابقين للإسلام قبل دخول الرسول المدينة المنورة،شهد عمير غزوة بدر وفي بداية المعركة وقف الرسول خطيبا في الناس يحثهم على الجهاد، ويحرضهم عليه وعلى بذل النفس في سبيل الله فقال:(لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه). فلما اقترب المشركون قال (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)، فقال عمير (يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض) فقال الرسول نعم فقال عمير: (بخٍ بخ)، فقال الرسول (ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ) فقال عمير (لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها)، فقال له الرسول (فإنك من أهلها)، فأخرج عمير من جعبة سهامه بعض التمرات، وأخذ يأكل ثم قال لنفسه (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة)، فقام ورمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل،فكأن حديث الشهيد دودي كبيرة عن شرب الماء يتمثل في تمرات ذلك الصحابي الجليل.

هذه المواقف حري بالتاريخ ان يسجلها بالإعجاب كله والإكبار له وجدير بأن تتناقلها السنة المجاهدين بالفخر والاعزاز وفوق ذلك كله فهي زاد يتقوى به المجاهدون على مر الدهور وتعاقب الازمان فالجهاد في غرب كردفان مدرسة وفي بحر العرب مرجعية تعليمية كبرى تعود بكم الى مدرسة الصحابة،وبهذا المستوى تسلح الشهيد كبيرة وأخذ الإذن من رئيس الجمهورية.

وكان هذا هو فهم وديدن القادة في الدفاع الشعبي من المجاهدين وكان تجاوبهم وانفعالهم معه،وبالتأكيد فمثل الشيخ الشهيد (عبدالله دودي كبيرة) كان فريد، إلا أنه نتاج طبيعي للتربية الجهادية والمنهج الجهادي الذي غرسه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الأمة وتأصل فيها والثورة التي قامت بها الانقاذ وجددت العهد بالجهاد واولته العناية والرعاية حتى أفرزت للبشرية هذه النماذج الفذة مثل الشهيد (كبيرة) وغيره الذين ما كانوا يرون للجهاد حدوداً زمنية في عمر الإنسان بل يجعلون العمر كله لله جهاداً فيتحرون بذلك عن القعود والتثبيط وينطلقون من ثم الى التجاوب مع مقاصد الجهاد واهدافه العليا.

يا شهيد الوطن يا مثال الوفاء

أنت أغلى فتى يستحق الثناء

أنت في الخلد أعز الخالدين

سرت للتاريخ مرفوع الجبين

وافر الحظين من دنيا و دين

ذكرك الغالي على مر السنين

سوف يبقى عاطرا طول الزمن

أنت بالروح افتديت الوطنا

بعته الروح فهاك الثمنا

خذه تمجيدا وذكراحسنا

يملأ الدنيا سناء و سنا

جنة الأبطال في الذكر الحسن

في سبيل الدفاع عن بلادك

مت موت الشجاع الشجاع في جهادك

هكذا مات الرجال تحت رايات الجهاد

نلت أسمى ما ينال مت في حب البلاد

 

كبيرة في المجلد:-

مارس في ضواحيها الرعي عندما كان رخاء العيش وبراءة المجتمع في عهد أصالة العروبة التي كانت سمته فيها الشجاعة والكرم والجود وفي اوائل الأربعينات من القرن الماضي كبيرة شاب وسيما بهي الطلعة كان قوام وهندام وكان متعطر بعطر الدنيا سلاسة الصبية يقضي نهاره في مسيد التلاوة وله غدوة مع الرعي وسربة في الليل مع سمارة الشعر البدوي ودوبيت وعزف على الربابة.

ومشروع الشهادة في ارض المسيرية كان فوق كل الحساسيات والمذهبيات والخلافات لأن فيه عزة الأمة ونصرها وسعادة الدار الآخرة والفوز بجنات النعيم،لذلك سلك الاباء سيرة الاجداد،والابناء سيرة الاباء،جمعا للشمل ورصا للصفوف،ونبذا لكل ما من شأنه أن يوهن عزيمة الفرسان ويدس الفرق والتنازع بينهم، وهذا هو ما يريده الشهداء منا جميعاً،فصناعة النصر تكون عندما نربي الشاب على مشروع الشهادة ونبتعد بهم عن الصغائر وسفاسف الأمور ونتجاوز عن كل من اعتقدنا أنه مخطئ باجتهاده عسى أن يتجاوز الله عنا يوم القيامة:

نحن البنركب البحات
ونحن بنعز الولية ان جات
نحن بنقطع اللسان شن فات
ونحن بنقش دمعة الباكيات

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول،فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك)،ويعتبر الثبات عند لقاء العدو السمة،وعدم الانهزام والفرار من أهم عوامل النصر، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جميع معاركه التي خاضها، كما في بدر، وأحد وحنين وبقية المعارك والحروب كان ثابتاً بين أصحابه وكانوا يلوذون به.وهذا ما لمسناه وشاهدناه في مجاهدي غرب كردفان بقيادة مجاهديها من امثال (دودي كبيرة)،حيث جسّدوا أروع وأهم وأقدس المعارك من خلال مواجهتهم للعدوان والحرب،وكان السلاح الأقوى في هذه الحرب هو الإيمان والصبر والإرادة والثبات والتوكل على الله تعالى والإخلاص والطاعة له سبحانه. فالمجاهدون بحق كانوا رجال الله،وقد تولاهم الله بعنايته ورحمته وتوفيقه وتسديده، وشيخهم الملهم (دودي كبيرة)أعاد إلى الأذهان صوت محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقيادته الإلهية الحكيمة،وشجاعة علي في خيبر،ولهذا جاء نصر الشهادة،وصعد  ضيوف جنة الرضوان المتوسدين صدر السماء أكاليل غار لا تذبل،شهداء ضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل الحق والحرية والسلام فموت الشهيد كما الفن إبداع وعبقرية،فالشهيد في ممارسته لفن الشهادة أعظم فنان لأنه يبدع صور استشهاده في الشكل الفني الرائع متجاوزاً التسميات البدهية ليسمو فوق أبعاد الحروف و رموز الألوان وزوايا المساحات الضوئية فهو الذي يعتلي قبة السماء مقيماً فيها دائما،وهذه القبة لا يصل إليها إلا النخبة المختارة من خلق الله،فأية قيمة أعلى من قيمة الشهادة وأية جنة أعز وأروع من تلك الجنة التي يفوز بها الشهداء بعد التضحية بالحياة التي لا تقارن بما نالوا،إن الشهادة وقفة عز،ووقفة شموخ وهي الأمل المنتظر من قبل رجال أحبوا أن يكونوا مع ممن سبقهم من الرجال الاطهار الأبرار لذلك استسهلوا الموت،وتمنوه لأنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن الحياة بكل ما فيها من ملذات وطيبات لا يمكن أن تقارن بفوزهم العظيم،لإن من ارتبط بنبض الأرض، ورائحة التراب وتمسك بجذور الوطن والتاريخ ودافع بكل إخلاص وثبات ونال شرف الشهادة هو المنتصر وهو العبقري لأنه اختار الخلود في رحاب السماء، وهكذا فإن الشهادة ومنذ سقوط أول شهيد في (معركة أحد) شكلت مادة غنية وخصبة للشعراء الذين نظموا أروع القصائد في تمجيد الشهادة والشهداء ويعد حسان بن ثابت الذي دافع بشعره عن الدين الإسلامي من أوائل الشعراء الذين مجدوا الشهادة بقوله : فقلت لها:(إن الشهادة راحة ورضوان ربّ يا أمام غفور)ولقد قدر لهذه الأمة المناضلة أن تكتب بدماء أبنائها تاريخ نضالاتها ،فهذا التراب دم بالدمع ممتزج تهب منه على الأجيال أنسام،فانطلقت الحناجر تحكي عن بطولات هؤلاء الأنجم الزهر الذين أناروا بدمائهم طريق الحرية ،فهم بيض الصحائف ما هانوا ولا غدروا،أنقى وأطهر من زهر البساتين،ودم الشهداء ينبت في ربانا قناديلاً يضيء بها النضال دم الشهداء،فالشهادة هي المنى وهي الطريق الأسمى الذي يبحث عنه عشاق الموت في ساح المعارك،لقد صنع الشهداء الأبرار بدمائهم النصر الحقيقي فقابلوا الموت بصدور رحبة،ونفوس قوية غير هيابة واختاروا الطريق الصحيح الذي يؤدي في النهاية إلى جنة الله،جنة الرضوان.

 

وكان الزمان بدأه كمصعب واخشوشن الى زمان مضى فيه اسد في عين وبطل في قبيلة للنزال وركيب خيل (بنات سعدان)بنات مهلة بنات الجد، (جيابات الخبر فزاعات الضائق) كان سريع الاغاثة للملهوف وله صفة امنية بحتة في قص الطريق عند ودار الأبقار أو سرقها .

نشأ نشأة بدوية وحضر التمرد الاول للأنانيا one رجلاً وكان له دور في المعارك التي صنعها التمرد بهدفه الاستراتيجي الأوحد منع المد العربي الإسلامي وفتح الطريق الى التبشير الكنسي وبفطنة العروبة عرف الهدف والمغزى . لذا كان الشهيد أول من أسس قوات المراحيل والقوات القبلية التي تدافع عن الهوية والممتلكات حيث كانت هذه المجموعة مطاردة من الحكومات لمنع التسلح الشخصي وكان له في ذلك مواقف حيث انهم كانوا يجلبون السلاح من دولة اثيوبيا آنذاك حتى المعركة الفاصلة التي اعدوا لها في العام 1964م فيما تسمى بالدوسة العمومية وكان هذا هو أول انتصار فعلي على قوات التمرد من مليشيات المسيرية حيث انكسرت شوكة التمرد في مناطق التماس ووقفت عمليات الدينكا التي كانوا يقومون فيها بنهب ابقار المسيرية. ومن هنا تبلورت الفكرة لإنشاء جيش قبلي جرار لان القضية اصبحت حول الهوية والتعدي على الممتلكات،وفي هشاشة الدولة وعدم مقدرتها في ثمانينيات القرن الماضي من حماية المواطن من أي عدو أياً كان قوياً او ضعيفاً،فهذا الدور الذي قام به الشهيد (كبيرة) ففقد فيه ابنيه الكبيرين الشهيدين (الحسن ومحمد).

وكان (كبيرة) قائد ومدير وحكيم وبذل كل الجهد حتى ان يدرك اهله أن القضية مع المتمردين هي قضية سياسية من كل النواحي ودينية تريد اذلال المجتمع وتغيير هويته واعلان التخلي عن الإسلام حتى يكون للتبشير الكنسي ارض في ديار الاسلام والعروبة.

هذه اشارات لفهم القائد الشهيد كبيرة والد شهيدين وهو يعي ان ما وصله من تفسير للآية الكريمة حقا وتطبع عليها نهجاً وسلوكاً ، (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) هذه الآية تخلق بها (كبيرة) واخوانه من الشهداء والمجاهدين وافردت فيها نماذج الفداء والتضحية وهي ترسم خارطة لتيارات المسيرية في سد ثغرة الجنوب الذي اعلن التمرد فيه احتلال كل السودان وحصر مناطق المياه ومنع المد العربي الاسلامي لكنهم تلقنوا الدرس تلو الدرس تسابق عليهم الفرسان وتقسموهم قتالاً وغنائماً قبل الدخول في المعركة وانتهجوا القرآن سبيلاً للنصر (وان جندنا لهم الغالبون) فثبات الأمة كانت ركائزه رجالاً أمماً تمشي.

والشهيد كبيرة بحساب العمر ليس مؤهلا للقتال لكن بتقدير القضية تمثل وتقمص شخصية مصعب بن عمير صبياً وشخصية اسد الله حمزه بن عبدالمطلب رجلاً في بدايات قتال المتمردين وطبيعة ارض ابيي تحكي نزاعاً دائماً وصراعاً دموياً وغدراً من التمرد على الأهالي وسلباً للثروة في هذه الظروف لمع نجم كبيرة وتشكل لواءه وتقدمت خطواته نحو الهدف بصدق ووفاء للقضية.

****

و لايغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم
فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه

إلا والتاج على رأسه
وإن قاموا على رجل ما تركوه

إلا وقد قطعوا رأسه
فأتقى غضبهم ولا تشعل نارا

لا يطفئها إلا خالقهم
فأنتصر بهم فهم خير اجناد الارض

وأتقى فيهم ثلاثا:
1- نسائهم فلا تقربهم بسوء وإلا اكلوك كما تأكل الاسود فرائسها
2- ارضهم وإلا حاربتك صخور جبالهم
3- دينهم وإلا احرقوا عليك دنياك
وهم صخرة فى جبل كبرياء الله تتحطم عليها احلام اعدائهم وأعداء الله

****

 

 

الباب السابع

معارك في حياة الشهيد

إن الشهادة في سبيل الله هي الحياة حقا،بها يغلب الإنسان غريزة حب البقاء وطول الأمل وإرادة الخلود التي أغرى بها الشيطان آدم عليه السلام؛ ليستنـزله من الدرجة الرفيعة والدار العالية البهية التي بوَّأه الله إياها، حين قال له( يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (طه/120) فقد أوهم إبليس آدم وزوجه،فأطمعهما أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشّجرة، ويبقيا خالديْن بلا موت،فالشهيد(دودي كبيرة) هو الذي قهر تلك الإرادة،ورضي بحياة حقيقية في جوار الله،دفع في مقابلها روحه وماله، فقبل الله البضاعة وقدَّم لصاحبها ذلك الثمن النفيس الفردوس الأعلى فقال عز وجل (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة111) .

إن الشهيد يقدم روحه فداء لدينه،وعزة لأمته، فيموت عزيزاً لتحيا أمته عزيزة، ويبقى دينه خالدًا مرفوعًا،حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله،ولهذا استحق هذا الشهيد بجدارة أن يكتب الله له الحياة السعيدة،لأجل هذا يتسابق العقلاء المخلصون في طلب الشهادة،وهم يعلمون معناها ويدركون أين يطلبونها ،فيسعون إلى الجهاد غير هيابين ولا مترددين ، فالشهادة درجة يرفع الله إليها من يتخير من عباده،فهي منحة وليست محنة إذا أراد الله أن يرفع درجة إنسان اختاره شهيداً،والشهيد أرفع الناس درجة بعدالأنبياء والصديقين،وإن للتضحية ألواناً كثيرة ، ودروباً متعددة يأتي في ذروتها بذل الروح رخيصة في سبيل الله،ومنافحة عن دينه،لان بلوغ الأهداف الكبرى في الحياة تستلزم تضحيات كبرى مكافأة لها،ولا ريب أن سمو الأهداف، ودرك المقاصد،ونبل الغايات،يقتضي سمو التضحيات وشرفها،ورقي منازلها،وإذا كانت أشرف التضحيات،وأسماها هو ما كان ابتغاء رضوان الله تعالى،ورجاء الحظوة بالنعيم المقيم في جنات النعيم،فإن الذود عن حياض هذا الدين،والذود عن حوزته،والمنافحة عن كتابه وشرعه ومقدساته تتبوأ أرفع درجات هذا الرضوان.ثم إن للتضحيات ألواناً كثيرة،ودروباً متعددة،لكن تأتي في الذروة منها التضحية بالنفس وبذل الروح رخيصة في سبيل الله؛ لدحر أعداء الله ونصر دين الله، وذلك هو المراد بمصطلح الشهادة والاستشهاد.ولقد بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جهده، واستوفى غاية وسعه في ترسيخ جذور هذا المعنى العظيم،وتعميق مفهوم هذا المصطلح الجهادي في نفوس أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين،ثم في نفوس أمته من بعدهم،(والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) إنها لأمنية انبعثت من هذا القلب الطاهر،معبرة أبلغ التعبير عن هذا الحب العميق،والشوق الغامر،إلى هذا الباب العظيم من أبواب جنات النعيم.وقد ثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه في صحيح السنة الشريفة،من بيان محكم،وإيضاح دقيق،لفضل الشهادة،ومنازل الشهداء في دار الكرامة عند مليك مقتدر،وفي الطليعة من ذلك بيان صفة حياة الشهداء عن ربهم(أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش،تسرح من الجنة حيث شاءت،ثم تأوي إلى تلك القناديل) وللشهيد عند ربه ست خصال (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة -والدفعة بضم الدال المهملة هي الدفعة من الدم وغيره- ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه) وفي لفظ: (من أهل بيته) ويخفف عنه نصف الموت،حتى أنه لا يجد من ألمه إلا كما يجد أحدنا من مس القرصة(ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة).ودار الشهداء في الجنة أحسن الدور وأفضلها،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(رأيت الليلة رجلين آتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل،لم أر قط أحسن منها، قالا لي: أما هذه فدار الشهداء).ومن ألوان الكرامة أيضاً: أن الملائكة تظله بأجنحتها،ولهذا كله كان الشهيد وحده من أهل الجنة هو الذي يحب أن يرجع إلى الدنيا،(ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا،وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) وفي رواية: (لما يرى من فضل الشهادة)، فليس عجباً أن يجد البيان النبوي الرفيع صدىً ضخماً،وأثراً بالغاً،وسلطاناً قوياً على نفوس تلك الصفوة المختارة،والثلة التقية من الصحابة الكرام الأعلام؛فتوطدت في نفوسهم أعمق معاني الشهادة، وترسخت في قلوبهم أسمى درجات الحب لها والولع بها،والعمل الدءوب لبلوغ مقامها والتنعم برياضها وفي صحيح السنة من أخبار هذا الشوق الظامئ، والحب الطهور،الذي أكرم الله به هذه الكوكبة المؤمنة، والطليعة الراشدة ما لا يحده حد ولا يستوعبه بيان.
إن الشهادة في سبيل الله ليست بالأمر الذي يمكن مقارنته بالانتصار أو الهزيمة في المعارك،فمقام الشهادة هو ذروة درجات العبودية،والسير إلى الله في العالم المعنوي،فالذاهب للجهاد لأجل رضا الله فقط،المقدم روحه على طبق الإخلاص والعبودية،لا تضرّه حوادث الزمان،ولا تؤثر على خلوده، ومقامه الشامخ. ولأجل أن نصل إلى الإدراك الكامل لمنزلة وقيمة الشهداء وطريقهم،يجب علينا طيّ فاصلة كبيرة، والبحث في مستقبل الزمان،وفي التاريخ،والأجيال القادمة،ولا ريب أن دماء الشهداء قد حفظت الإسلام،لقد أعطى الشهداء درس يخلد عبر الأجيال القادمة.هذه الشعوب والأجيال الآتية هي التي ستقتدي بمسيرة الشهداء،وستخلد مراقدهم الطاهرة،مزاراً للعاشقين،والعارفين،والمتحرّقين،وداربلسم للأحرار ، فطوبى للذين رحلوا شهداء،وطوبى لأولئك الذين قدّموا أرواحهم في هذه القافلة النورانية.

 

صناعة الرجال والموقف:-

إن مؤسسة الدفاع الشعبي جسدت شعار جيش واحد شعب واحد من خلال تكامل الادوار بينها وبين القوات النظامية الاخري مما أعطى معنىَ وبعدا عميقا في أن تظل مسيرة الجهاد أمرا شعبيا مطلبيا لكل مكونات المجتمع السوداني،والقوات المسلحة ما وقفت موقفا الا وجدت الدفاع الشعبي نصيرا لها يشد من ازرها وانها تعلمت منه الصبر والمثابرة مما اعطي للجهاد معنىَ عميقا،فالدفاع الشعبي هو الوليد الشرعي للقوات المسلحة،وهو يقدم التجارب والدروس في معني الدفاع عن العقيدة والوطن ومؤازرة القوات المسلحة من أجل استكمال الدور المناط بها من خلال سد كل المحاور،والمشروع الجهادي الذي قام به الدفاع الشعبي إرث لكل اهل السودان،فشهداؤه دفعهم دينهم ضد الظلم والاجرام ليدافعوا عن كرامة الانسان وحرمة الدم،والدفاع عن الارض،لينالوا شرف الشهادة في الدفاع عن عقيدتهم وشعبهم ليصبحوا شعلة لمسيرته التي لاتنطفيء،ودماء شهداؤه ستبقى حياة للوطن وشعلة وقادة بوجه الإجرام،وليتغني بعطائها تاريخ الاسلام،وستكشف زيف ادعيائه الذين يضمرون شر السوء لشعبنا،وان دماؤهم المرآة الصافية للحاضر الذي تعيشه الامة التي عبئت الشباب المؤمن للدفاع وحمل السلاح للذود عن العقيدة والحرمات، فبعد ان كان الدفاع كتيبة صغيرة،تطورت إلى قوات مسنادة للقوات المسلحة،هي تعمل في جميع الجبهات غير القتالية بينها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية،ورسالة الدفاع الشعبي،لابد أن تصل إلى جميع أنحاء العالم كفكرة ذات منهج وفهم وتخطيط عال،لم تضع عن كاهلها السلاح ولم تسأم الكفاح بل دفعت خلال (25) عاماً بملايين مقاتل تدربوا في ساحات القتال استشهد منهم في مسارح العمليات من استشهد حماية للمشروع والدولة على رأسهم القائد الأسبق اللواء (عمر الأمين كرار) وظلت ترفد القوات المسلحة السودانية بالمجاهدين لدك حصون المتمردين فهم دعاة سلام ولكن إذا فرضت عليهم الحرب فهم (أهلها)،وهو رسالة لمن هم في الداخل والخارج،فالبلاد محروسة بالمجاهدين ولن تؤتى من قبلهم أبداً.وراية الجهاد في سبيل الله سنة ماضية لن تتوقف (لا حرباً ولا سلماً)،ويكفي خلال ملحمة الأمطار الغزيرة من عام 1995 وفي تعليقها على قوافل الدعم الشعبي لقوات الدفاع الشعبي قالت إذاعة (البي بي سي) البريطانية إن محافظة أم بدة قدَّمت قافلة لدعم المجاهدين حين وصل أولها لمقر الدفاع الشعبي بالخرطوم لم يتحرك آخرها من أم بدة،تحمل على ظهور الشاحنات زادًا للمجاهدين يكفي لإطعام دولة إفريقية لمدة عام كامل،وفي مشاهد تقشعر منها الأبدان.. تسابقت جميع ولايات السودان ومؤسساته ومنظماته وواجهاته ورجاله ونسائه لدعم الدفاع الشعبي بالذهب العيني والمال النقدي والمواد الغذائية والطبية،والإيوائية،فضلاًعن اصطفاف الملايين من الشيوخ والشباب والشابات،والطلاب،والطالبات،متطوعين بأنفسهم للتدريب والقتال،إضافة للدستوريين والقياديين،والموظفين والفنيين بمختلف درجاتهم وتخصصاتهم،الشيء الذي حسم كبريات الملاحم والمعارك التي خلدها التاريخ بمداد الدماء وأشلاء الشهداء.

فالدفاع الشعبي الذي أحيا في الأنفس عزة المسلم وأيقظ فيها كوامن الدين الجهادي عبر استدعاء آيات القتال(أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض.. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة.. فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.. فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.. واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم.. إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون.. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)وأحاديث الرسول الأعظم (ص) (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة).. (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).. وسؤاله (ص) عقب صلاة الجمعة لذلك الصحابي الذي تخلف عن السرية التي ودعها (ص) بعد صبح تلك الجمعة ورد الصحابي للرسول (ص) بقوله (قلت أصلي الجمعة خلفك يا رسول الله ثم ألحق بهم)،ورد الرسول (صلى عليه وسلم):(والله لقد سبقوك بمسيرة خمسمائة عام).

فهم الذين شرخوا الحناجر بالتكبير والتهليل وأدمعوا الأعين وأدموا القلوب وهيجوا المشاعر وألهبوا الأحاسيس وفجَّروا شلالات الكرامة وبراكين الغضب لله والدين والوطن بكلماتهم القوية وألحانهم الشجية استصغارًا لجبال المآسي ووديان المحن وتوقًا للمعالي في الدنيا والآخرة وتخليدهم للرجال والمواقف والملاحم بقولهم.. (وكت نجمع… يمين الدنيا كل الدنيا.. ترخى أضانا عشان تسمع)،و(قسمًا لن نبرحها إلا بعز النصر أو نصر الشهادة)(هبي هبي رياح الجنة.. نحنا الدنيا دي ما مسكنا) )لن نُذل ولن نُهان.. ولن نطيع الأمريكان) (لسنا بطير مهيض الجناح.. ولن نُستذل ولن نُستباح)،ومشاهد التدريب في الميادين للرجال والنساء.. وصور التسابق للشاحنات للحاق بالمتحركات ووداع الأمهات للبنين بالجرتق والزغاريد.. والأداء البطولي والرجولي بمسارح العمليات،مكن للدين وثبت القلوب وحقق البهجة والطمأنينة للمسلمين والمستضعفين بقدر ما بث الرعب والهلع في قلوب المستكبرين والمأجورين والمنافقين فضلاً عن تدمير معنويات المتمردين ما جعل قيادتهم تحقنهم بعقاقير الهلوسة وتطعمهم الحبوب المنشطة،وأعراس الشهداء والتفاف الشعب السوداني حولهم وثبات أهليهم وابتهاجهم بهم واستعراض سيرتهم المختلفة كلياً ما بين شهيد وشهيد،والمتفقة جميعها على صدق التدين والإقدام وارتباطهم الوثيق بكل من حولهم تنبئك أنهم ذرية بعضها من بعض،وكل شهيد هو مشروع كتيبة تحمل اسمه وتواصل مسيرته مما يجعل بحر المجاهدين متلاطم الأمواج لا ساحل له ولا نهاية له إلا الكوثر،من ركبه لن ينزل إلا هنالك ومن اعتصم بغيره غرق ولو بلغ عنان السماء،فالتحية لقوافل الشهداء بالدفاع الشعبي،المعز عبادي حسين دبشك ومحمود شريف.. أحمد عبد الله الكلس.. محمد أبكر صبيرة.. محمد أحمد عمر.. أحمد البشير الحسن.. عوض عمر السماني.. ماجد كامل.. علي الشفيع سعد.. علي عبد الفتاح.. هشام عبد الله.. زين العابدين إبراهيم.. الصادق أبو عسيلة..عمر اوهاج
والشهداء المثاني،دهب وسفيان فيصل.. أنس وأمين الدولب.. الشيخ وأبو عبيدة الفادني.. معاوية والطيب بانقا.. منصور وإبراهيم شمس الدين.. علاء الدين وسيف الدين شرفي.. حاج نور وابنه عبد الله.. محمد قمع وابنه بكري،ودودي كبيرة وابنيه الحسن ومحمد،والعقد الفريد من الشهداء الاخرين الذين لن تحصيهم هذه السطور وان تمددت،والتحية للدفاع الشعبي الذي ساند القوات المسلحة بمئات الألوية والكتائب والسرايا بعدما قام بتدريب أكثر ثلاثة ملايين من الشعب السوداني شارك منهم في مسارح العمليات الحربية أكثر من مائتي ألف مجاهد بعضهم شارك عشرات المرات في مختلف الجبهات والمتحركات.. وقدم أكثر من سبعة عشر ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين والمعاقين ولا يزال ممسكًا بالبندقية وحارسًا للقضية ضد كل عميل وخائن مأجور، فطوبى للبائعين شخوصهم لله ونعم المشتري طوبى للجالسين على منابر النور الإلهي البهي ونعم جليسهم،طوبى لهم شيخ كبير(كدودي كبيرة) وولد صغير شاب غرير(كعجاج) تسابقوا لله بالأشواق بالإخلاص بالحب الكبير الصادق،وفي يوم عرسهم الكبيرهذا عبر هذا السفر نجدد العهد والميثاق رغم تساقط البعض وتنكر آخرين لكننا وعزة الذي رفع السماء بلا عمد لن ننساكم أو نخون عهدكم وميثاقكم ولو مزقنا إربًا إربا،يا من يدين لكم الجميع من بعد الله بنعمة الأمن الذي يعيشونه والتنمية التي يجنون ثمارها والعزة التي يتفيئون ظلالها،فلولا ثباتهم الذي تكسرت عنده أطماع الغزاة وعملاؤهم وأدهش العالمين وشل تفكيرهم وقهر المخططين وأربك المنافقين لتشظى السودان إلى دويلات يأخذ بعضها برقاب بعض،ولغرقت المدن في الخمور ولتحولت المساجد إلى مراقص ولخرج الدين من السودان كما خرج من زنجبار والأندلس وفق ما كان يحلمون ويرتجون أيام الغفلة والأحزاب،فالحمد لله الذي هيأ لنا من القوة ما تجعلنا نزلزل الأعداء في كل موقع من مواقع السودان في هذا اليوم الجميل نتشرف بأن نصابح هذه الوجوه السامقة بعزة الجندية والشرف السوداني والبطولة الممتزجة بالإيمان،فلا شيء أغلى من الوطن،ولا حياة تحلو للإنسان إذا لم يكن تحت سقف الوطن الذي يحميه،ويحمي أولاده،ويؤمن لهم الحياة الحرّة الكريمة،لا شيء أغلى من الوطن،إنه الدرّة الثمينة التي لا يمكن المساومة عليها أبداً،إنه القلب النابض بحب أبنائه،والذي يحيا الأبناء بنبضه،ولأنه العزة والكرامة،والمجد والإباء والمنعة والعطاء والوفاء قدم الشهداء أنفسهم وأرواحهم من أجل رفعته والذود عن حياضه.. استعذبوا الموت طلباً للشهادة قيمة القيم،ومفخرة المفاخر،لهذا أخذت الشهادة مكانها المتميز،فهي ترمز إلى الحياة الكريمة،وإلى تجدد الأمة.. فالشهادة خلود والشهيد خالد أبداً ينعم بجنة الرضوان،فالشهيد (دودي كبيرة)هو من جسّد الإباء بشكل كامل وجسد الإرادة والتصميم بشكل كامل،فلنقتد جميعاً بالشهيد عندما يقتضي الأمر،فقد كانت مواقف العزة والإباء والتضحيات من طبائعه،فهبّ في كل مرة دعاه الواجب ليفتدي الوطن ويقدم الروح فكانت قوافل الشهداء مثله مشاعل نور على دروب الحرية تستهين بالموت وتستعذبه لتستمر الحياة.. حياة الكرامة والعزة،فالاستشهاد هو الضرورة الأساسية لكل كفاح وطني،وهو القاعدة الأساسية والتي لا غنى عنها،ولا بديل لها في حماية الوطن وتحرير الأرض.. فالأوطان لا تبنى إلا إذا ضحى الأبناء بأرواحهم في سبيلها،فالنصر لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تقدمته قوافل الشهداء،وزغردة الأمهات اللواتي قدمن فلذة الأكباد من أجل أن يحيا الوطن.. فالشهيد وجد حياته في حياة الآخرين،ورأى وجوده في وجود الآخرين:فلنمجد الشهادة ولتكبر في نفوسنا جميعاً ولتكن طريقنا عندما ينادي الوطن.. فهي حالة التماهي الكاملة النابعة من ذات أصيلة.. معطاءة تعشق الإيثار ولأنها هكذا وجد الشهيد (دودي كبيرة) حياته في حياة الآخرين.. يقدم الروح رخيصة ليحيا أبناء الوطن،لهذا كانت ومازالت القيمة التي لا تعلوها قيمة ،والمأثرة التي لا تتقدمها مأثرة أخرى،وفي محراب الشهادة تقف الكلمات عاجزة عن وصف بعض فضائل الشهداء.. فالتضحيات كبيرة والأهداف سامية.. كبيرة بمعانيها وأهميتها لأنها تبدأ من الوطن وتنتهي إليه لهذا يتسابق الرجال الأبطال لنيل هذه المنزلة الكبيرة في التضحية والفداء ليحيا أبناء الوطن بالخير والأمن والأمان،أن سواعد الدفاع الشعبي اشتدت وأصبحت سنداً حقيقياً للقوات النظامية،وهو وثيقة عهد وميثاق بالسير على دروب الشهداء، وأن يظل العهد معقودا معهم على مواصلة العطاء وحماية الدين والوطن ،وهو رسالة واضحة مفادها بأن السنوات) سنة المنقضية من عمره لم تزده إلاّ قوةً وجاهزيةً لأداء أدواره في الإسناد العسكري والمدني، حيث ظهرت هياكل الدفاع الشعبي وقواته العامة والخاصة إلى جانب سرايا الإسناد المدني لتأكيد أن الدفاع الشعبي طائر يطير بجناحين أحدهما مدني وآخر عسكري،فالدفاع الشعبي هو الوليد الشرعي للانقاذ،وساعداً أيمن للقوات النظامية على أيام الحرب،ومعولاً للبناء على أيام السلام. وقد ضخ التمرد دماءً جديدة في عروق الدفاع الشعبي بعد أن أدى أداءً عسكرياً جيداً في انتصاراته الأولى،وربما لذلك كان قادة الحركة الشعبية يلحون في حله تحسباً وخوفا من عطائه،الذي سيبقى وسيظل حارثاً للوطن والعقيدة في ميادين القتال المختلفة، فالدفاع الشعبي لم يكن في الماضي فحسب، بل سيكون في المستقبل كذلك،فهو مدرسة تَعلّمنا منها الكثير من القيم، فهو مجد الاسلام ..وسيعيد للاسلام المجد وسابق العهد ليس بالكلام بل بالدماء..والارواح…فمجاهديه غرباء عن هذه الدنيا..فهم لم يخلقوا الا لكتيبه حمزه بن ابي طالب و لتعلق ارواحهم في عرش الرحمن،ولن نقول شهداء السودان بل هم شهداء الاسلام … ليس لديهم دافع سوي تلبية نداء الرحمن…منهم من كان يتناول وجبه في اليوم و منهم من لا يجد الطعام لعده ايام.. اصوات حناجرهم وهي تكبر و تهلل ما زال يتردد صداها بين الجبال والادغال و الوديان:

صمود وعزيمة جبارة
ورجال في اللقيا صبارة

تجدنا إذا وثبنا فصول
كتائب عزة جرارة
هدفنا سلام بلا استسلام
تظللنا راية الإسلام

كانوا يعلمون أن الموت ضريبة عشق للأوطان،وأن الموت سيصبح عرساً ينسيهم كل الأحزان،من هذا الطين بدأوا وسوف يعودون لنفس الطين،من منكم يملك أن يختار نهاية عمره؟.. وهل سيموت مع الجبناء أم سيموت مع الشرفاء،انها ألوية وكتائب الدفاع الشعبي وجموع المجاهدين، القادرة على تحقيق الأهداف المخططة والمتفق عليها وتحديد نقاط الضعف والقوة، انطلاقاً لغدٍ أرحب، يقاس ويقييم فيه الأداء وتحلل الواجبات،وما تتحمله من مسؤوليات، وتحديد الاحتياجات في كل المحاور وقياس الأداء الفعلي مع المعايير الموضوعة عبر هذه المسيرة التي امتدت لأكثر من ست وعشرين عاماً،قدمت من خلالها آلاف الشهداء والجرحي،خرجت عبرها الألوية والكتائب من الأهوال إلى آخر صيحة والمسيرة ماضية،مضى عبرها الشهداء إلى ربهم ولسان حالهم الذي يؤسس لهذا الطريق الشاق دعوةً وإخاءً وجهاداً. فمدرسة الدفاع الشعبي، كالعهد بها انصهر فيها كل أبناء السودان من كل حدب يلبون نداء الوطن وعزته، وألا رجوع ولا نكوص،في السلم والحرب وعهدنا مع الشهداء باقٍ وستجدوننا حيث تتطلعون، وأن مسيرة الدفاع الشعبي مسيرة حافلة بالعطاء من إرث الأجداد (جهاد- نصر- شهادة)، يستلهم من ماضٍ تليد وحاضر مجيد، ومستقبل زاهر تناسب ومسيرتها الظافرة ونهضتها السائدة حتى تبلغ أهداف التنمية والاستقرار وتأمين مخاوف الأمة وتدريب الفرد المجاهد على أحدث نظم التدريب عبر القوات المسلحة التي قبلت التحدي لتمضي المسيرة إلى المعالي الرابحة بالتضحيات السابحة في فضاء الطموح لتصل إلى الغايات المرجوة،وهي باقية شامخة بهاماتها صامدة لا ترهبها المهالك ولا تخيفها التهديدات ولا تضعفها المؤامرات والدسائس، وهي تمشي على الجمر وحد السيف وهي أقوى من الجبال وأعلى هامة من المجد وأعلى هدير من العاصفة والدفاع الشعبي بهذه الخطى رسموا لهذا الوطن عنوانه وبنوا مجداً فاق الثريا وليكن هذا هو العهد الموثَّق تتواثق عنده أشواق المنتظرين:
نحن أنبل أمة ما بنرضى المهانة
عالي بين كل الأمم خفاق لوانا
بالكرم بالقوة بالصبر اتعرفنا
وفي رقابنا بنحمل الواجب أمانة

 

ان الرجال هم الذين يصنعون التاريخ،وحركة الشعوب هي قاطرة التاريخ والقادة والزعماء والابطال والشهداء هم رموز الامة وشغاف قلبها وشعلتها التي تنير لها دروب الانتصار،والرجال هم الذين يموتون واقفين،فتمتد منهم على الفور جذور تسافر عميقاً في باطن الارض تشكل المثبت والثابت لهم ليس على الارض فقط وانما في وجدان الشعوب والامم المحبة للحرية، وامثال الشهيد(دودي كبيرة) هؤلاء هم القادة،والطلائع والمحرضون والمنظمون والدعاة هم كل شيء،وبعدهم ياتي كل شيء،لهذا فان فضل الاوائل يترسخ في النفس،وليس اعظم من هذا مجداً،ان فوارس المسيرية سجلوا اروع ساعات الثبات والنصر في الجهاد وسوحه،فلم يساوموا على الحق،ولم يخسروا شرف الدنيا بهذا العز والفخار،ونالوا رضى الله وجنته بالشهادة التي يتمناها كل متواص بالحق متواصٍ بالصبر،فانتم ربحتم،ونلتم يافخر الامة:

 

هتفتَ بهم ريح العلا فأجابوا
وإلى الوغى بعد التجهز ثابوا
ملكوا نفوسهمُ فباعوا واشتروا
في الله ما خافوا العدا أو هابوا
تركوا لنا العيش الذليل وغادروا
في عزةٍ ولهم بها إسهابُ
تلك الشبيبةُ والفخار يحوطهم
رفعوا لنا بعد الرغامِ جنابُ
إن أصبحوا فالخصمُ يرهبهم وإن
جنَّ المساء فكلهم أوّابُ
ألقوا إلى الدنيا تحية عابرٍ
ومضوا إلى درب الإباءِ غِضابُ
حملوا مدافعهم وخاضوا ،وانبروا
والموتُ يزأرُ والعرينُ خرابُ
هم علموا الأجيال أن صلاحها
بجهادها والباقياتُ سرابُ
هم لقنوا خصم العقيدة درسهم
ولكم يجادل حوله المرتابُ
هم نجمة في أفقنا لمّا غدا
في ظلِّ حامية الصليبِ ترابُ
كم أسقطت يمناك من راياتهم
ولقد سقيتهمُ الهوانَ شرابُ ؟؟

كم قدت خيلك والجنود بواسلٌ
والنصر في وعر الجهاد مشابُ
كم ليلة صبحت فيها جمعهم
ولقد يُصبَّحُ للعدو عذابُ
يارب إن سار الهمامُ وأظلمتْ
أوطاننا واستفحل الإجدابُ
فاجعل لنا من بعده مِن مِثِله
وارفع لنا في العالمين جنابُ
سقط الشهيدُ وأسدلت أحزاننا
ولنا على درب الجهاد شبابُ
فعش عيشاً هنيئاً في جنان
تجافيك المتــــــــاعب والسقام
فيا رباه فاجمعنا ســـــوياً

بفردوس يطيــــــــب بها المقام
وجاءت ثورة الانقاذ فصار الحلم واقعاً وبدأت معسكرات الدفاع الشعبي تنتظم البلاد وكان نصيب طلابنا فيها معسكر القطينة باسم الشهيد عيسى بشارة ونيس ومعسكر المجلد الاغبش الشهيد أحمد حمدان ابو صاغة والذي تدرب فيه الشهيد (عبدالله دودي كبيرة)،واخوانه من زمرة متحركات القسم القرآني الغليظ:

  1. والمغيرات صبحا
  2. والموريات قدحا
  3. والعاديات ضبحا
  4. والجوارس الكنس
  5. والركب الميمون
  6. والسابحات
  7. والفيصل
  8. والبنيان المرصوص
  9. النصر المبين
  10. اشواق الأمة

وكانت تلك متحركات بيعة الموت في سبيل الله والوطن،وفلسفة الدفاع الشعبي هي أن يكون في كل متر من أرض السودان جندي مؤهل يستطيع حماية الأرض والعرض،وكانت الخطة تدريب عدد مائة وخمسون الف مجاهد من قوات الدفاع الشعبي وحظى قطاع بحر العرب في غرب كردفان بتدريب واحد وثلاثين الف في معسكر الشهيد احمد حمدان ابو صاغة في الاغيبش ومعسكر الشهيد نقيب عبدالهادي الرشيد الفاضل في الميرم ومعسكر الشهيد نقيب ياسين اسماعيل محمد بالدبب ومعسكر الشهيد حسن فضل السيد جمعه الحربي في الفولة، وترت المعسكرات والمتحركات بأسماء الشهداء، بدا بالشهيد ملازم اول عيسى بشارة ونيس اول معسكر للدفاع الشعبي بالسودان في القطينة بولاية النيل الأبيض.

وتوالت المتحركات باستراتيجية الحفاظ على الدين والأرض ومنع المد الكنسي واللوبي الصهيوني فجهاد غرب كردفان دروس وعبر الطوعية اساس القبول،فكان الاستيعاب منذ السادسة عشر للمجاهد.فالمجاهد في ديار المسيرية يقدم نفسه للدفاع الشعبي ولديه رغبة وحماس كاف لأن يتعلم في أقل فترة ممكنة وهكذا كان الجهاد طوعا.

خاض الشباب السوداني القتال في ميدان الحرب،عبر قوات الدفاع الشعبي،ونحمد الله على أننا أعددنا هؤلاء الشباب باعتبارهم مستقبل السودان،وترسخت مبادئ الدفاع الشعبي في أوساط السودانين وأصبحت من المسلمات،لان قوات الدفاع الشعبي قامت بأعمال كبيرة في إسناد الجيش وأصبحت جزءا من الردع السوداني للمتمردين والقوى الأخرى،والتجربة أصبحت مدرسة قائمة بذاتها ولها ثقافتها وأنها ذات إرث في القتال،وقد مثل الدفاع الشعبي منذ تأسيسه،قوة إسناد رئيسي للقوات المسلحة حيث تشكل من قاعدة الحركة الإسلامية وبخاصة الشبابية والطلابية التي كانت بمثابة الرافد الطليعي الذي لازم نواته الأولى،بجانب الوطنيين الذين التفوا حول تجربة الإنقاذ منذ عام 1989،واكتسبت قوات الدفاع الشعبي زخماً كبيراً أثناء فترة الحرب في الجنوب حيث اشتهر عبر متحركات صيف العبور ومسك الختام تتقدمها كتائب الإسناد الخاصة التي تعتبر العمود الفقري للقوة الشعبية المساندة للجيش في عملياته العسكرية،والدفاع الشعبي يظل من أقوى الأسلحة والأعمدة التي ارتكزت عليها الإنقاذ في أي تحد،وهو من أهم شبكات النظام في السودان التي يسرت للقوات المسلحة توسيع نطاق سيطرتها على الأرض،وخلفت تراثاً من العسكرة الشعبية،لتغدو بعد ذلك أداة أساسية من أدوات الأسلمة والتعبئة.

وختاما.. نفتح نوافذنا للشمس،ونتحدي أية ريح أن تقتلعنا من جذورنا،عجزت كلماتنا وغال عيني الدمع، فالجمت فرس شعرنا..وجافتنا الكلمات وتوارت التعابير وتدثرت تحت احاسيسنا،فلا تحزن يا شهيدنا ..لا تحزن فانت اليوم في دنيا خير من دنيانا ومع أصحاب خير منا جميعا،عرفناك حرا طوال السنين تبيع الحياة لرب ودين فكنت شهيدا مع الخالدين،قوة أرهبة أعداءك فأرسلتهم مورد كل هلاك لتعانق روحك السماء وهي تبحث عن مكان أوسع من الجسد ليسعها فشفيت صدور قوم مؤمنين، فهنيئا لك الشهيد دودي كبيرة،وربح البيع، كلنا الى الموت ولكنك اخترت كيف تموت، فقد ظفرت بالشهادة التي يختار الله من يلبسه ثوبها،لا نواسيك ولكن نهنئك ونسأل الله ان يلحقنا بك في جنة عرضها السموات والارض:

 

أمس فارقني الرفاق*** فارقوا أرض النفاق
يمموا صوب المعالي*** يمموا أرض اللحاق

بين طيات الضلوع*** خاصم البعض الرجوع
نالوا من نصبٍ وجوعٍ*** جنبهم جافي الهجوع
فازوا بأم البيوع*** باعوا أصلاً وفروع

أنت يا نفس هجين *** أنت نفس وقرين
كلما شب الحنين*** قلت نمضي بعد حين
بت في الحبس رهين ***أزرف الدمع الثخين

لا يري حبل الوصال من كان دلواً للجفاء
فالعزم في صدق السؤال إن طال بالله كفي
والعزم في قصد المنال والصدق حتماً في الخفاء

 

عرِفناك مِقداماً إذا جَد الجِّد ، ومتأخراً حيّياً عندما يأتي حظ النفس، بك لايقال عن المقابر يا شهيد مقابرُ فإذا حَلَلت بموضعٍ فمقام حِّلك عامرُ،لهفي على قمرٍ ثوى فثوتْ قُرى وحواضرُ وذوت روانقُ أحرفٍ،وخَبْت جُذىً ومنائرُ كنتَ السّواد لناظري فعُميّ عليك الناظرُ من شآء بعدُك فليمت:

لا يســـألون أخاهم حين يندبهم

في النائبـــات على مــا قال برهانا
ندعو جهارا لا إله سوى الـذي

صنع الوجود وقـدر الأقـدارا
ورؤسنا يـا رب فـوق اكفنـا

نرجوا ثوابك مغنمـا وجـوارا
فهنئا له بالجار والجوار بإذن الله،فهو قد صمم ودفع المهر عزيزا غاليا جدت بالنفس والبخيل يضن بها،والجود بالنفس أسمى غاية الجود، من قال إنا ذهبنا هباء؟ فقبل السقوط رفعنا راية،شدت الأرض بعلو السماء،من مات على عقيدته .. إنتصر، وللباقين منا موعظة،إما أن تموت واقفا،حيا،أو تحيا الموت، بانتظار القدر، يا من على أحزانك تتجمع الدنيا فتورق زهرة الرؤيا على كل الميادين .. يامن أبحرت في بقاع الأرض لأنك العاشق للسوان .. أحببته رغم الريح والأحلام ورغم الشوك..أحببته بعد تساقط النوار وتراجع البسمة،يا رفيق الشهداء، نودعك شهيدا وحبيبا ورفيقا .. ونستقبلك عريسا تزينت لك ساحات الفداء.. تزينت لك الدنيا مكللة جبينك الأسمر وهامتك المرفوعة .. فإليك اليوم ننحني خجلا وأمام لهيب الشوق المنبعث من تراب الارض نصطف لنلقي على روحك السلام .. أيها الخالد العائد .. وأمام هيبة روحك الطاهرة نستحضر أرواح من سبقوك ومن يستعدون اليوم للقائك .. فقد طال الانتظار .. أيها العائد الخالد .. وطال الرحيل أيها القائد .. أمام ناظريك نقف اليوم وننشد لروحك وهي ترحل نحو الأبدية والخلود (مددنا بيننا جسرا من الأشواق إلى الأحباب وإذ يتجمع الأحباب سنذكر كل هذا الشوق نرسمه مع الشمس التي وقفت على الأهداب ، هذه هي لغة العاشق للعاشق ، وهذه لغة العائدين للعائد .. ونقول لك مهلا كبيرة .. لم نكن نعلم بأنك استعجلت الرحيل ولم نكن نعلم بأن التراب يستهويك ،مهلا .. فلم نكن نعلم بأن الشوق  يصنع من التوابيت أطباقا طائرة نحو العلا..لم نكن نعلم بأن الشوق يصنع من شرايين القلب شراعا لسفن العودة .. فها أنت اليوم تختزل الزمان وتحتضن المكان الذي طالما انتظرت لقاءه ولطالما انتظر لقاؤك .. فنم قرير العين ياصاحب القلب الكبير..نم قرير العين ولا تفزع فقد أزف الرحيل الاخير.

 

الكاتب:

صلاح الدين عبد الوهاب المكي

بكالريوس جامعة القاهرة –آداب – لغة عربية

دبلوم الاعلام – الاعلام الامني

ماجستير في الاعلام

قدم لنيل الدكتوراة

كاتب وصحفي

 

قام باعداد المادة الاولية للكتاب

علي المهدي فضل المولى

 

منسق دفاع شعبي عمليات ابيي والقطارات

مدير ادارة الدعوة والاعلام – منظمة الشهيد ولاية غرب كردفان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *