كتاب الشهيد على عبد الفتاح

Please enter banners and links.

قرية ” المَكنِيْةَ ” غَرْبِ شَنَدِى من قرى الشمال الوادعة تَقَعُ في أحضان النيل العظيم ، يمتهن أهلها الرعي والزراعة ، وكأهل القرى في السودان كانت أواصر العلاقة قوية بين أهل القرية ..

كان الحاج ” عبدالفتاح ” يمتلك “جزارة” لبيع اللحوم في القرية ، عرف بطيب معشرة وسهل بيعه وتعامله مع الناس .

الحاجة ” كريمة” زوجته كانت إمراة  تحمل أسم على مسمى طيبه المعشر يحبها نساء القرية وأطفالها ورجالها ..

رزق الله الحاج ” عبدالفتاح” والحاجة ” كريمة ” بأبناء وبنات ( بله ومحمد سعيد وامال) وكان ينتظرون المولود القادم الذى كتب الله فى علم غيبه أن سيكون له شان عظيم .

وفي يوم الجمعة ويومُ عَرفْهَ 1968م والناس صيام والحجاج فى صعيد عرفات يدفعون أكفهم بالسؤال والضراعة كانت أسرة الحاج ” عبدالفتاح ” تنتظر حدثاً سعيداً ، تنتظر مولوداً لا تعرف أن كان ذكراً أم أنثي ، وسرعان ما أنطلقت القابلة تبشر الجميع بان الحاجة ” كريمة ” أنجبت ولداً فأنطلقت زغاريد النسوة فرحه بالمولود وتهلل وجه الحاج ” عبدالفتاح ” فرحاً بقدوم إبنه فى هذا اليوم وقرر أن يطلق عليه أسم ” عَلـىِ”  تيمناً بالخليفه العادل والفارس المقدام “على بن أبى طالب ”  فقد كان الحاج ” عبدالفتاح ” يحب صفات الفروسية والشجاعة والأقدام وكثيراً ما أطرب الناس بالشعر والمسادير والدوبيت الذى يمجد هذه المعاني والقيم .

 

    وفى اليوم السَّابع قام الحاج ”  عبدالفتاح  ” مبكراً وتوجه إلى السوق ليحضر ذبيحة العقيقه فأختار كبشاً سميناً فقد كان وهو الجزار عليم وخبير بهذه الأنعام ، فذبح وأهدى ثلثه للفقراء وصنع طعاماً بالباقي ودعا إليه الأهل والأصدقاء الذين دعوا للمولود بالصلاح والفلاح فى الدنيا والآخرة وان يقر به عيون والديه .

تربى الطفل ونشأ بين عاطفة الأمُومَّة وأخلاق الأبوة وحنان الأسرة وكريم خصال مجتمع القرية .

    ظهرت علامات النبوغ المبكر في الطفل ” عَلـىِ” ، كان يحفظ شعر الفَروُسِيْةَ الذى كان يسمعه من والده دخل خلاوى    ” الفكى ودمنصور ” بالقرية تعلم فيها مع حفظ القرآن الرعي والزراعة وجلب المياه من البار السطحية ،كان بازاً  أقرانه فى سرعة التعلم وحتى فى الألعاب التي كان يلعبها بذكاء ،  فانعجم عوده وأنصقل وتشبع كثيراً بالثقافة القروية وصفات الريف  الجميله ، تمَّ قبوله بمدرسة ” المَكنِيْةَ ”  الابتدائية فكان الأول على دفعته فى السته أعوام التى قضاها بالمدرسة أتصف فيها بالبلاغة والشجاعة الأدبية فكان مشاركاً فى كل الاحتفالات التى تقام بالمدرسة فأحبه معلموه وتنبئوا له بشأن عظيم ، كان بارعاً فى الرسم والخط مجيداً للخطابة .

 

    مرحلة الثانوي

 

    وفى العام 1987م  قُبل ” عَلـىِ”   بجامعــة الخرطوم كلية الهندسة ، وفى الجامعة ظهرت مواهبه الدعويه والخطابة والشعرية وذكاؤه الاكاديمية وقوة ذاكرته ، كما كان يعرف بين أقرانه بخصال كريمة عدة ( التواضع والكرم والشجاعة وطيب الإخاء والمَعْشَرَ ) وكان طيب الحديثُ لطيفٌ فى المزاح             والدعابة ، أحبه إخوانه ومن يكبره وأساتذته .
    كان ” عَلـىِ”  مع علمه الدعوى وواجباته الاكاديمية والاجتماعية مهموماً كذلك بقضايا المسلمين فى العالم خاصة مايحدث فى أفغانستان وفلسطين وكشمير والبوسنا والهرسك ، كان يقرأ مجلات الجهاد القادمة من أفغانستان ويتابع أخبار فلسطين ، فكَّون مع زمره من أخوانه بالجامعة جمعية أنصار الجهاد الأفغانى وجمعية نصرةُ المستضعفين ، ونشطت هذه الجمعيات فى إعداد المعارض وجمع التبرعات وإعداد القوافل لإرسالها إلى هناك .
    فى يوم جمعة ما كان ” عَلـىِ”  ينصت وباهتمام بالغ إلى خطبة احد المشايخ القادمين من أفغانستان وكان خطبة بليغة ومؤثره وبعد الصلاة ذهــب إلـــى الشيخ مباشرة وقـــال                لــه : (( أريد أن أذهب إلى أفغانستان مُجَاهِد مع إخواننا هناك فيسر لنا سبيل ذلك )) ..

فقال الشيخ الوقور والابتسامة تعلو محياه : (( أن جهادكم هنا فى السودان يَابُنْىِ )) ..

جاهدوا هنا فأعداء الأمة هم من يدبرون ويعينون لكم التمرد فى جنوب السودان ، وتعجب له كيف يُجَاهِد ولاعلاقه له بالجيش !!..  وكيف له بالسلاح !!.. وكيف يقاتل !!..  وبأى طريقة !!؟.. .

وبـــعــــد أشهر من هذه  الحادثه تغير النظام الحاكم فى البلاد وأعلنت قيادته التعبئة الشعبية لمواجهة التمرد الذى أنتشر فى الحدود وضجت معسكرات الدفاع الشعبي والطوعي للتدريب ، فتدافع آلاف الشباب نحو معسكرات الأعداد والتدريب ، وكان ” عَلـىِ”  من المسارعين فى ذلك فاظهر كعادته مهارة فى استيعاب الأسلحة وإجادة إستخدامها ، كما كان يمتاز بلياقة بدنية عالية ، وكانت كلها مؤشرات أن (( لهذا الشاب دور هام فى مستقبل الأيام )) .

    وفى العام 1992م إنضم ” عَلـىِ”  إلى كتيبة ” الخرساء” وهى أحدى الكتائب الأولى للدفاع الشعبي التي توجهت على جوبا عاصمة الجنوب في الإقليم الاستوائي ..

ظهرت مقدرات ” عَلـىِ”   فى الكتيبة كان داعية وخطيباً وشاعراً وبمثل ماكان شجاعاً يحمل قلباً عطوفاً على المواطنين ويقدم لهم العون ويأسى لحالهم الذى خلفته الحرب اللعينة التي دبرها لنا الأعداء ، كانت الكتيبة تقتسم زادها مع المواطنين ،تعلم الأطفال فى المدارس ، وتعالج المرضى ، وتقدم لهم الدواء والكساء ، أحب أهل المنطقه هذه الكتيبة لماوجدوا فيها هذا التعامل الطيب ، كان ” عَلـىِ” يحب كتيبته وكتب فيها شعراً :

    خرساء قومي فداعي الله نادنا

لكي نقيم لشرع الله بنياناً

أن الخوارج ضلوا لاولى لهم

عند اللقاء وان الله مولانا

تبيت تسهر فى الملهى جموعهم

وفى المصلى وفى المحراب  تلقانا

شتان بين جند الله يعصمهم

دين الاله وجند الكفر شتانا

أقول للنفس أن قامت يراودها

حب الحياة وخوف الموت أحياناً

يانفس هل تدرين للموت من وطن

فتتقيه وهل تدرين عنواناً ؟

يانفس موتى هنا فالموت مكرمة

والله أوعد أن متنا لأحيانا

    عادت كتيبة الخرساء إلى الخرطوم ولكن ” عَلـىِ”  عاشق الجهاد والشهادة أثر أن ينضم إلى قوات مقاتلة أخرى كانت متجهة لتحرير عاصمة ” التمرد”  في الجنوب مدينة “توريت” .

وكعادته أثبت شجاعة منقطعة النظير أحبه الجميع     ثبت في مواقف عصيبة يشيب له الرأس لكنه كان صامداً مع أخوانة كالجبال حتى تحررت مدينة توريت .

    وكعادته وثق لهذه المعركة في قصيدته الشهيرة بتوريت والتى يقول مطلعها :

الله أكبر أخوتي الله أكبر

أجنادنا جاءت تجدد فتح خيبر

أجناد زحف كالأسود الشم تثأر

يتواثبون إلى الفداء من المعسكر للمعسكر

إلى أن يقول :

وتدافع الأبطال من حول اللواء فما تعثر

وتساقط الشهداء إذ عز الفداء وإذ تعذر

مازاد عن عشرين معركة كما التحم الغضنفر بالغضنفر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *